بين واقعية المشهد ونبض التعبير قراءة في لوحات الفنانة وردة

 

 

 

 

بين واقعية المشهد ونبض التعبير

 قراءة في لوحات الفنانة وردة



الفنانة الجزائرية .. وردة علامه 

 

مقدمة  نتعرف  من خِلالٍها علي بدايات  مشوار الفنانة التشكيالية الجزائرية   وردة علامه  من خلال هذه المقتطفات من السيرة الذاتية لها :

   * فنانة تشكيلية عصامية : ممارسة لفن الرسم بالالوان الزيتية   

  * من هنا  كانت الانطلاقة حيث اصبحت اشارك في العديد من المسابقات والمهرجانات الخاصة بالفن التشكيلي

* تلقيت تكوين وتدريب في فن الرسم وهذا في دار الشباب عياش اسماعيل من سنة  ( 1990-  1993)  

   * قمت بالمشاركة في عدة معارض ومسابقات في الفن التشكيلي  خلال دراستي الجامعية في مدينة قسنطينة

* ثم عضو نشط في نادي الرسم للكبار في دار الشباب عياش اسماعيل  قالمة من سنة   1996 الى  2003ثم من  2013  الى 2020

* ساهمت  بعدة مشاركات في معارض اقيمت في مدينة قالمة –عنابة-قسنطينة- بسكرة – باتنة-  واد سوف-ام البواقي – سطيف  وتحصلت علي عدة   شهدات تقديرية

-* قمت بمعرض خاص بي للوحات الزيتية في ديوان السياحة بمركز    مدينة قالمة  سنة  2001

مشاركات دولية : *

1 - المشاركة في  معارض دولية وتمثيل الجزائر  منها

معرض "بيكاسو اسبانيا "

2 - مهرجان اوستراكا الدولي للفن التشكيلي بشرم الشيخ /مصر  سنة 

2010

ولنبدأ معاً هذه القراءة الإنطباعية بهذه المقدمة :

********

 

إذا كان الفن في جوهره تعبيرًا عن رؤية الإنسان للعالم من حوله، فإن ما يُعرف بالفن العصامي يمثل أحد أنقى تجليات هذا التعبير؛ إذ يقوم على الموهبة الفطرية التي تنمو خارج الأطر الأكاديمية التقليدية، متكئة على التجربة الحياتية المباشرة وعلى حسّ بصري يتشكل تدريجيًا عبر الممارسة والتجريب  فالفنان العصامي لا يبدأ  من قاعات الدراسة بقدر ما يبدأه من تأمل الحياة ذاتها، ومن مراقبة التفاصيل الصغيرة التي تتحول مع الزمن إلى مفردات تشكيلية قادرة على بناء عالم بصري خاص. لذلك غالبًا ما تتسم أعمال هذا الفنان بقدر من العفوية والصدق التعبيري، وبحرية في التعامل مع اللون والخط والكتلة بعيدًا عن القيود المدرسية الصارمة. كما يبرز في هذا الفن ميل واضح إلى ابتكار الوسائل واستثمار الخامات المتاحة في البيئة المحيطة، بحيث تتحول الأدوات البسيطة إلى لغة تشكيلية تحمل طاقة تعبيرية لافتة

ولا يقتصر حضور الفن العصامي على كونه تجربة فردية فحسب، بل يتصل اتصالًا وثيقًا بالبيئة الثقافية والاجتماعية التي ينتمي إليها الفنان. ففي كثير من الأحيان تتحول عناصر الحياة اليومية - من ملامح الوجوه الشعبية، والملابس التقليدية، والعمارة المحلية، والطقوس الاجتماعية - إلى موضوعات بصرية تمنح العمل الفني طابعه الهوياتي المميز. وفي الفضاء المغاربي، ولا سيما في الجزائر، يكتسب هذا الارتباط بالبيئة بعدًا إضافيًا، حيث تتداخل الذاكرة الشعبية مع تنوع الموروث الثقافي بين العربي والأمازيغي والمتوسطي، لتكوّن رصيدًا بصريًا غنيًا تستند إليه التجارب الفنية العصامية. ومن هنا فإن الفنان العصامي في هذا السياق لا يكتفي بتسجيل مظاهر البيئة، بل يعيد صياغتها في رؤية شخصية تجمع بين الحس الفطري والرغبة في تطوير أدوات التعبير، مستفيدًا من الاطلاع على التجارب الفنية الحديثة ومن الانفتاح على تقنيات وأساليب جديدة. وبهذا المعنى يصبح الفن العصامي مساحة تجمع بين الأصالة التي تمنح العمل جذوره الأولى، والتجديد الذي يفتح أمامه آفاقًا أوسع للابتكار والتعبير

وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى تجربة هذه الفنانة الجزائرية وردة علامه

 بوصفها امتدادًا حيًّا لروح الفن العصامي التي تنمو في تماس مباشر مع البيئة والذاكرة الثقافية. فالموهبة هنا لا تتجلى فقط في القدرة على تشكيل الصورة، بل في   تحويل عناصر الحياة اليومية إلى خطاب بصري يحمل بصمة شخصية واضحة. ومن خلال هذا المسار تتبدى أعمالها كمساحة تتلاقى فيها الحساسية الفردية مع ملامح      البيئة الجزائرية الغنية بتنوعها الثقافي والإنساني؛ حيث تتسلل إلى اللوحة إشارات     إلى  الوجوه الشعبية، أو الأزياء التقليدية، أو تفاصيل المكان المحلي بما يحمله من   تاريخ  وذاكرة. ومع تطور تجربتها يتضح أن هذه العصامية لم تبقَ مجرد اندفاع  فطري، بل أخذت تتجه تدريجيًا نحو وعي بصري أكثر نضجًا، عبر صقل الأدوات        التشكيلية  وتوسيع مجال التجريب في اللون والبناء والتكوين. وهنا تتشكل ملامح تجربة فنية  تسعى إلى الموازنة بين صدق التعبير الأول وبين رغبة واعية في تطوير  اللغة التشكيلية، الأمر الذي يمنح أعمالها حضورًا خاصًا داخل المشهد الفني الذي تنتمي إليه

في لوحات الفنانة وردة تتحول التفاصيل اليومية إلى مشاهد بصرية نابضة بالحياة، حيث يتجاور الواقع مع الإيحاء الرمزي في بناء تشكيلي يعتمد على حس لوني دقيق وإيقاع حركي هادئ.

 ( بين واقعية المشهد ونبض التعبير) .

قراءة نقدية في بعض لوحات الفنانة التشكيلية وردة

الفنانة وردة

فنانة تشكيلية تميل في أعمالها إلى معالجة الموضوعات الواقعية بلمسة تعبيرية هادئة، حيث تتنوع موضوعاتها بين الطبيعة الصامتة والبورتريه والمشهد الرمزي، مع اهتمام واضح ببناء التكوين والعلاقات اللونية داخل اللوحة

تقدم الفنانة وردة في أعمالها التشكيلية تجربة تقوم على حس بصري يقظ وقدرة واضحة على تنظيم عناصر اللوحة في بناء متوازن. فموضوعاتها، على تنوعها بين الطبيعة الصامتة والبورتريه والمشهد الرمزي، تكشف عن ميل إلى معالجة الواقع بلمسة تعبيرية هادئة، حيث تتداخل الدقة في ملاحظة التفاصيل مع العناية بالعلاقات اللونية والإيقاع الحركي داخل المساحة التصويرية

ومن خلال عدد من النماذج المختارة من أعمالها يمكن ملامسة بعض ملامح هذه التجربة الفنية

1 - الطبيعة الصامتة: حوار الملمس واللون :


في هذه اللوحة تقدم الفنانة نموذجاً لافتاً من الطبيعة الصامتة، حيث تتجمع عناصر بسيطة تتمثل في قرص خشبي دائري وأقمشة مزخرفة تستقر فوق قماش أزرق منساب. غير أن هذه البساطة الظاهرية تتحول إلى تكوين تشكيلي غني بفضل التوازن الدقيق بين الكتل اللونية وتنوع الملامس

فالقرص الخشبي يحتل مركز اللوحة بوصفه كتلة ثابتة وصلبة، بينما تتحرك الأقمشة حوله بخطوط منحنية وانثناءات ناعمة تمنح التكوين حيوية بصرية واضحة. ويبرز التباين بين صلابة الخشب ومرونة النسيج بوصفه عنصراً جمالياً أساسياً في العمل، في حين يضفي الضوء الخفيف المتسلل على المشهد إحساساً بالهدوء والعمق

 

البورتريه: براءة الملامح وشفافية التعبير :


في هذا العمل تتجه الفنانة إلى الرسم الواقعي بالقلم الرصاص من خلال بورتريه لطفلة يتصدر وجهها مركز التكوين. وتبدو العناية بالتفاصيل واضحة في معالجة ملامح الوجه، ولا سيما العينين اللتين تشكلان محور التعبير العاطفي في اللوحة

فالخطوط الرقيقة المتدرجة في الشعر والظلال تمنح الوجه نعومة وعمقاً، بينما تكشف درجات الرصاص المختلفة عن مهارة في توليد الإحساس بالحجم والضوء. ويمنح هذا الاقتصاد في الوسيط الفني اللوحة صفاءً بصرياً خاصاً، حيث تبدو نظرة الطفلة مزيجاً من البراءة والتأمل، بما يضفي على العمل بعداً إنسانياً رقيقاً

المشهد الرمزي: حركة الجماعة وإيقاع اللون :

 


تقدم هذه اللوحة مشهداً ذا طابع رمزي وحركي في آن واحد، حيث تتحرك مجموعة من النساء بملاءات زرقاء داخل فضاء معماري ذي ملامح شرقية. ويقوم التكوين على إيقاع بصري متكرر تصنعه حركة الأقمشة المنسدلة التي تتجاور في خطوط منحنية متتابعة
.

ويهيمن اللون الأزرق على اللوحة بوصفه اللون المركزي، في مقابل خلفية دافئة تميل إلى الأصفر والوردي، مما يخلق توازناً لونياً جميلاً بين البرودة والدفء. كما تظهر بعض اللمسات اللونية الصغيرة كنقاط جذب بصري تكسر رتابة اللون الواحد وتضفي على المشهد حيوية إضافية

وعلى مستوى الدلالة يمكن قراءة هذا المشهد بوصفه صورة رمزية للحضور النسوي في الحياة الاجتماعية، حيث يتحول المشهد اليومي البسيط إلى تعبير بصري عن حركة الجماعة وإيقاعها داخل الفضاء العام

الحصان: طاقة الحركة ورمز الحرية :

 


في هذه اللوحة تتجلى نزعة تعبيرية واضحة من خلال تصوير حصان أبيض منطلق الحركة فوق رمال الشاطئ، بينما يمتد البحر والسماء في الخلفية في تدرجات لونية هادئة

وتعتمد الفنانة هنا على دينامية الخطوط في رسم شعر الحصان المتطاير وانثناءات جسده، بما يمنح التكوين طاقة حركية قوية. كما يخلق التوازن بين زرقة البحر والسماء وبين دفء الرمال انسجاماً لونياً يضفي على المشهد صفاءً بصرياً واضحاً

ويبدو الحصان في وضع يكاد يلامس الطيران، وكأنه رمز للحرية والانطلاق، وهو ما يمنح اللوحة بعداً تعبيرياً يتجاوز حدود المشهد الطبيعي ليقترب من الدلالة الرمزية

 

خـــــا تــمــة

تكشف هذه النماذج عن تجربة تشكيلية تتسم بالتنوع والبحث المستمر عن صياغات بصرية جديدة. فالفنانة وردة تتحرك بثقة بين الواقعية والتعبير، وتستثمر عناصر اللون والخط والملمس في بناء لوحات تتوازن فيها العفوية مع الوعي التشكيلي

ومن خلال هذه المقاربات البصرية تبدو تجربتها مفتوحة على مزيد من التطور، حيث يتحول الموضوع البسيط إلى مجال لاكتشاف إمكانات اللون والحركة داخل اللوحة، في مسار فني يسعى إلى تحويل المشهد العابر إلى لحظة جمالية نابضة بالحياة .

 






















الناقد التشكيلي والأديب

                                                                                                                                        م. سيد جمعة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تستعيد الكتلة روحها قراءة نقدية في تجربة النحات أ د. عادل بدر

بين الحكاية والرمز ... مقاربة إنطباعية في عوالم رواية " تلبيس إدريس إدريس " لــ محمود فتحي