حين تستعيد الكتلة روحها قراءة نقدية في تجربة النحات أ د. عادل بدر
حين تستعيد الكتلة روحها
قراءة نقدية في تجربة النحات أ د. عادل بدر
مقدمة : النحت... حين يصبح الفراغ
جزءًا من الجمال
منذ أن خرج الإنسان من كهف البداءة ليترك أثر يده على الحجر، كان النحت
محاولةً أولى لإيقاف الزمن عند لحظة، ومنح الشكل المادي قدرةً على البقاء. فالنحات
لا يتعامل مع الكتلة باعتبارها مادة صماء فحسب، وإنما يبحث داخلها عن الكائن
الكامن، ثم يبدأ حواره معها بالحذف والإضافة والاختزال، حتى يصبح الحجر أو الخشب
أو المعدن لغةً قائمة بذاتها
ولعل خصوصية النحت بين الفنون أنه فن الحضور؛ فالعمل لا يُرى فقط، وإنما
يُواجه، ويحتل حيزًا من المكان، ويصنع حوله فراغًا لا يقل أهمية عن كتلته. ومن هنا
يصبح الضوء، والظل، والحركة، والملمس، والمسافة بين أجزاء التكوين، عناصر مشاركة
في بناء العمل
وفي النحت الحديث لم تعد قيمة العمل مرتبطة بمدى مطابقته للهيئة الطبيعية،
بل بقدرته على الوصول إلى جوهر الشكل؛ لذلك اتجه النحات إلى الاختزال والتحوير
والتجريد، وأصبح بإمكان كتلة بسيطة أن تحمل وراءها فكرة واسعة، أو أن تتحول هيئة
إنسانية أو حيوانية إلى إشارة رمزية تتجاوز حدود المرئي
ومن هذا المنطلق يمكن الاقتراب من تجربة أ.د. عادل بدر؛ فالنظر إلى أعماله
يكشف أن علاقته بالنحت ليست علاقة تقنية بالمادة وحدها، وإنما هي بحث مستمر عن
المعنى الذي يمكن أن تسكنه الكتلة
عادل بدر... الفنان الذي جمع بين الكتلة والمعرفة
أ.د. عادل بدر أستاذ النحت والتربية المتحفية بكلية التربية النوعية –
جامعة القاهرة، وهو فنان جمع في تجربته بين الممارسة الإبداعية والبحث الأكاديمي
والعمل المتحفي والثقافي. حصل على الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية من جامعة رين
2 بفرنسا عام 2003، وارتبط جانب مهم من اهتمامه العلمي بالتعبير النحتي والتربية
المتحفية. وشارك منذ عام 1989 في العديد من المعارض الجماعية وأقام معارض فردية في
مصر والخارج، كما نال جوائز وشهادات تقدير في مجال النحت والفنون التشكيلية، من
بينها جائزة الصالون في العمل المركب بصالون الشباب، والجائزة الثالثة في مجال
النحت ببينالي بورسعيد القومي. ولم تتوقف تجربته عند إنتاج العمل الفني، بل امتدت
إلى تصميم مشروعات فنية وثقافية وتربوية، والتعاون مع مؤسسات فنية ومتحفية في مصر
وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وتونس. وإلى جانب مؤلفاته في المتحف والفنون والتصميم
والتربية المتحفية، ظل حاضرًا في المشهد التشكيلي باعتباره فنانًا وأكاديميًا
ومثقفًا يؤمن بأن الفن لا يعيش داخل قاعات العرض وحدها، وإنما يمتد إلى التعليم
والمجتمع والإنسان
القراءة النقدية لبعض الأعمال المُتاحة :
المجموعة الأولي : ثنائية الكتلة... حوار لا يكتمل إلا بالآخر
في هذا المجموعة يبدو النحات وكأنه لا ينحت شخصين بقدر ما ينحت فكرة العلاقة
بين اثنين
فالكتلتان المتجاورتان، المتقاربتان في البناء والمختلفتان في بعض تفاصيل
الهيئة، تقفان فوق قاعدة خشبية واحدة، وكأن ثمة رابطة خفية تجمعهما، رغم احتفاظ كل
كتلة بخصوصيتها. هنا لا يصبح وجود الآخر مجرد إضافة تشكيلية، بل يتحول إلى ضرورة
جمالية وفكرية؛ إذ إن كل كتلة تكتسب جزءًا من معناها من حضور الكتلة المقابلة
واللافت أن عادل بدر لا يلجأ إلى التفاصيل التشريحية التي قد تجعل الشكل
أقرب إلى التمثيل الواقعي، وإنما يختزل الجسد إلى إيقاع من الكتل والانحناءات
والفتحات. وهذا الاختزال يمنح العمل قدرًا من الرحابة التأويلية؛ فالمتلقي يستطيع
أن يراه علاقة إنسانية، أو حوارًا، أو حالة من التآلف، أو حتى كائنين يواجه كل
منهما الآخر في صمت .
وتبدو الفتحات داخل الكتلة هنا ذات أهمية خاصة؛ فالفراغ ليس مكانًا خاليًا،
وإنما عنصر بنائي يخفف من ثقل المادة ويمنحها تنفسها. وكأن النحات يقول إن الكتلة
لا تكتمل إلا بما يمر خلالها من فراغ
أما السطح البرونزي ذي اللمعان الدافئ، فيمنح العمل بعدًا حسيًا واضحًا؛
فالضوء لا يستقر فوق السطح وإنما يتحرك عليه، فيكشف انحناءاته ويؤكد الانتقالات
بين البروز والانخفاض. وهنا يتجلى وعي النحات بأن الضوء شريك في صناعة النحت
وإذا كانت القاعدة الخشبية تبدو للوهلة الأولى مجرد حامل، فإن حضورها أكثر
من ذلك؛ فالخشب يحتفظ بذاكرته الطبيعية ودفء عروقه، بينما تأتي الكتلة المعدنية
بصياغتها الصناعية لتدخل معه في حوار بين الطبيعي والمصنوع. وهكذا يصبح العمل
تركيبًا لا يقوم على النحت وحده، وإنما على علاقة الخامة بالخامة، والكتلة
بالفراغ، والإنسان بالآخر
إن أجمل ما في هذا العمل أن عادل بدر لا يشرح لنا العلاقة، بل يتركها معلقة
بين كتلتين؛ ومن هنا يأتي صمتها الجميل
المجموعة الثانية : الجسد حين يتخلى عن ملامحه
في المجموعة الثانية ننتقل إلى
عالم أكثر اختزالًا وغموضًا. لم يعد الجسد هنا هيئة يمكن التعرف إليها بسهولة،
وإنما أصبح إشارة إلى الجسد؛ كتلة تنمو إلى أعلى، وتنحني، وتلتف بعض أجزائها حول
بعضها، وكأنها خرجت من حركة داخلية لا من نموذج خارجي
وهذا التحول من التشخيص إلى الاختزال يمثل أحد المداخل المهمة لفهم
التجربة؛ فالنحات لا يريد أن يقول لنا: هذا إنسان، أو هذا عضو من أعضاء الجسد،
وإنما يدعونا إلى الإحساس بالحركة والانقباض والامتداد
الكتلة الرأسية في مركز العمل تمنحه قدرًا من الثبات، بينما تبدو الأجزاء
العليا أكثر تحررًا وانفتاحًا. ومن هنا ينشأ تناقض جميل بين الجذر والحركة: جسد
يستند إلى الأرض، لكنه يبدو وكأنه يريد أن يتحرر منها
ويكتسب السطح الداكن أهمية تعبيرية أيضًا. فالبرونز هنا لا يقدم بريقه
بوصفه قيمة زخرفية، بل يحتفظ بخشونة ولمعان متفاوتين، وكأن السطح نفسه يحمل أثر
رحلة التكوين. لذلك نشعر أن المادة لم تُخفَ تمامًا تحت الصقل، وأن للنحت ذاكرة
خاصة بما مر به أثناء تشكل
أما الفراغات والتقاطعات بين أجزاء الشكل، فتمنح العمل حركة داخلية؛ إذ لا
نرى خطًا واحدًا مغلقًا، وإنما مسارات بصرية تقود العين من أسفل إلى أعلى، ثم
تعيدها إلى مركز الكتلة. وهذا ما يجعل العمل قابلًا للقراءة من خلال الحركة لا من
خلال الملامح
وقد يكون هذا هو جوهر التجربة هنا: أن النحات لم يعد معنيًا بأن يقدم لنا
جسدًا مكتملًا، بل جسدًا في حالة تشكل
فالعمل لا يبدو ساكنًا رغم ثباته؛ وهذه واحدة من علامات النحت الناجح: أن
تستطيع الكتلة الساكنة أن توحي بالحركة
ملامح تتكشف من العملين :
إذا جمعنا بين المجموعتين اللتان
أمامنا، نكتشف أن عادل بدر يميل إلى بناء الشكل من خلال الاختزال لا المحاكاة، وهو
لا يلغي المرجع الواقعي تمامًا، لكنه يحرره من تفاصيله لكي يصل إلى ما يمكن تسميته
"جوهر الهيئة "
كما تكشف الأعمال عن حس واضح بأهمية الفراغ، فلا يبدو الفراغ مجرد المساحة
المحيطة بالكتلة، وإنما يدخل في تكوينها ويمنحها إيقاعها. وهذه نقطة مهمة في تجربة
نحات يتعامل مع النحت بوصفه بناءً في المكان، لا مجرد جسم موضوع داخله
ويظهر كذلك ميل إلى معالجة الجسد أو الكائن باعتباره بنية قابلة للتحوير؛
فتختفي التفاصيل لصالح الخط العام، وتنحل الملامح في الكتلة، بينما تصبح الحركة
والانحناء والاتزان وسائل للتعبير
المجموعة الثالثة :
تكشف هذه المجموعة عن ميل واضح لدى الفنان إلى اختزال الهيئة الإنسانية إلى
جوهرها الخطي، بعيدًا عن التفاصيل التشريحية، حيث تتحول الأسلاك المعدنية إلى خطوط
ترسم الشخصيات وتمنحها حضورها التعبيري. ويبدو الإنسان هنا في حالة حركة وتفاعل،
بما يجعل العلاقة بين الشخصيتين هي المحور الأساسي للتكوين، ويمنح العمل بعدًا
إنسانيًا يتجاوز مجرد التمثيل الشكل
ويقوم التكوين على توازن دقيق بين الخط والفراغ؛ فالفراغات المتروكة داخل
الأجساد وحولها ليست مساحات محايدة، وإنما عنصر فاعل في بناء الصورة النحتية. ومن
خلال هذا الأسلوب يتخلص الفنان من ثقل الكتلة التقليدية، ليجعل من الخط المعدني
وسيلة للرسم في الفراغ، وهو أحد أبرز ملامح خصوصية تجربته
كما تسهم الخطوط المتموجة في قاعدة العمل في إضفاء إحساس بالحركة، وكأن
الشخصيتين تتحركان فوق سطح مائي، فيتولد إيقاع بصري يربط بين الأجساد والقاعدة،
بينما يأتي التباين بين اللونين الأسود والأصفر ليؤكد استقلال الشخصيتين ويضيف إلى
التكوين حيوية وإيقاعًا لونيًا واضحًا
وتكتسب البساطة الشكلية هنا قيمتها من قدرتها على الإيحاء؛ فالدائرة التي
تختصر الرأس، والعلامات البسيطة التي تحدد ملامح الوجه، والخطوط التي ترسم
الأطراف، جميعها تؤكد أن الفنان لا يبحث عن محاكاة الإنسان، وإنما عن علامته
الإنسانية الأكثر اختزالًا. ومن ثم يصبح العمل تعبيرًا عن الحركة والمشاركة
والعلاقة بالآخر، بقدر ما هو بناء تشكيلي قائم على الخط والفراغ .
ويضيف هذا العمل إلى التجربة العامة للفنان ملمحًا مهمًا، يؤكد أنه لا
يتعامل مع خامة السلك بوصفها مجرد وسيلة تنفيذ، وإنما يجعل منها لغة تشكيلية خاصة،
يعيد من خلالها صياغة الإنسان والحركة والعلاقات الإنسانية في صورة مقتصدة، لكنها
غنية بالإيحاء والدلالة
ولعل الخلفية الأكاديمية للفنان في التربية الفنية والتربية المتحفية لا
تنفصل تمامًا عن هذا الوعي؛ فثمة اهتمام واضح بأن يكون العمل قابلًا للتأمل
والقراءة، لا مجرد صياغة مهارية متقنة
إننا أمام نحات لا يتعامل مع المادة باعتبارها نهاية الطريق، وإنما
باعتبارها بدايته؛ فالمعدن عنده لا يكتفي بأن يكون معدنًا، والكتلة لا تكتفي بأن
تكون كتلة، والشكل لا يتوقف عند حدود صورته الأولى. هناك دائمًا شيء آخر يريد أن
يقوله الشكل، ومساحة أخرى يريد أن يفتحها أمام عين المتلقي
و في النهاية : النحت بوصفه سؤالًا
مفتوحًا
تقدم تجربة أ.د. عادل بدر نموذجًا لنحات يتحرك بين المعرفة والممارسة، وبين
المادة والفكرة. وهو في أعماله لا يطارد التشابه مع الواقع بقدر ما يبحث عن ذلك
الجزء الخفي الذي يجعل الشكل قادرًا على التعبير
وفي الأعمال التي تأملناها تتقدم الكتلة، لكن الفراغ يجاورها، ويتحرك الضوء
فوق السطح، وتتحول الخامة من مادة صامتة إلى لغة. ولذلك فإن قيمة التجربة لا تكمن
فقط في براعة اليد، وإنما في قدرة صاحبها على أن يجعلنا نعيد النظر إلى الشكل بعد
أن نظن أننا أدركناه
وربما هنا تحديدًا تكمن خصوصية اد. عادل بدر: أنه لا يمنح الكتلة صورتها
الأخيرة، وإنما يترك فيها دائمًا مساحة لسؤال جديد .
ســيــد جــمــعــه
ناقد تشكيلي واديب
11 / 9 / 2026 م
تعليقات
إرسال تعليق