الإبداع الفكرى والبصرى فى اعمال عطاف نصرى



" إن اللامرئىّ هو الكيان الذى يَستعصىّ عَليّنا الإمساكَ بِهِ مُتكاملاً فى علاقاتٍ تنظيمية مَحدودة  ، والفنْ فى حقيقتهِ ، هو مُحاولة الفنان التعبير عن شئٍ يَعجزُ عن تحقيقهِ كاملاً .. شئٍ يَكمُنُ فى نفسهِ ، ويتجدد دوماً ولا يُحققهُ . إِن الصورةَ التى نرسِمُها .. فى حقيقتِها .. تُعبر عن رغبتِنا فى الوصولِ إلى الصورةِ التى نعجزُ عنها .. إذن هى تَعقبْ و مُطاردة طوالِ الوقتِ ، لِلإِمساكِ بشئٍ نراهُ وعندْ رسمهِ نجدُنا لا نُحققهُ كاملاً "

حسن سليمان

فنان تشكيلى مصرى : 1928 – 2008 م

( تأملات ) ، مجلة فصول العدد 92 ربيع وصيف 2003 م


 

الفنانة / عطاف ياسين نصرى ..  جاء في السيرة الذاتية لها :

·       خريجة كلية الفنون الجميلة دراسة حرة 1961 م

·       دبلوم رسم  ونحت مراكز الفنون التطبيقية والتشكيلية  1963 – 1966 م .

·       دراسة تشكيل و تصنيع الزجاج ، دمشق 1983- 1987 م .

·       تصميم و تنفيذ مشاريع الزجاج  المعشق المختلفة بالولايات المتحدة الأمريكية.

·       رسم الجداريات المباشرة و التلوين الفنى الداخلى و الخارجى .

 

بقليلٍ من التأمل فى بعضِ من أعمالها تستوقفنا محطات ومراحل زمنية و فنية فى مشوارها الإبداعى .     

فى ساحة التعبير بالكلمة أو الصورة قد يُفصحُ المبدعون عن شخصياتهم وهوياتهم وقضايهم و أحلامهم .. الخ ، فنرى فنانتنا قد أعطت وسلمتْ واستلمتْ طريق الفن التشكيلى مساراً لحياتِها ؛ فكان العلمُ والبحث عن الأدواتٍ المُساعدة لها فالتحقت بالدراساتِ الّحُرة و مراكز الإعداد والتدريب وحققت نجاحًا دعم مسيرتِها في الطريق الذى إختارتهٌ فشاركت فى معارضٍ عديدة حصلتْ وحصدتْ مِنها على التقديرِ فى صورِ دروعٍ و شهاداتٍ تُؤكد وتضيفُ لها تميزاً  سواء في سوريا  ؛ أو حيثُ إقامتِها الحالية فى دبىّ .

 وإذا إلتفتنا إلى تجربتِها الشخصية كفنانة مُبدعة ؛ نرى شَغَفِها بتَقنيات وَسمتْ بها بعضاً من لوحاتِها " علي الصفحات المرافقة ؛ فعن الخيال البصرى " ، فى كتاب د . / شاكر عبد الحميد .. فى كتابهِ " الفنون البصرية و عبقرية  الإدراك " يقول جوجان

"إن اللون النقى يستحقُ التضحيةِ مِن اجلهِ " .

 ويقول سيزان فى  نفس الكتاب وفى الفصلِ المعنون " الفنون البصرية بين التذوق و الإبداع نحو النمط الجمالى "  يقول :

" إن الألوان تنبثقُ من جذورالعالم العميقة " .

وهذا يُفسرُ لنا هذا الشغفِ المثير للدهشة حين أعطت للونِ مساحةِ أكبر فى أعمالِها وَ سمتْ بهِ مرحلة مِن مراحلِ إِبداعاتِها على صفحاتِ لوحاتِها المُرفقةِ بهذه الدراسة السريعة عن  شخصيتها كمُبدعة و عن بعضٍ ما تميزت بهِ إبداعاتِها .

إن هذا الزخم اللونى ، والتكوين العام للوحةِ و بهذا التمازج   " الحوار اللونى  "  بين لونٍ ما و الوانٍ آخرى و بِكلِ الدلالة اللونية الخاصة على سبيل المِثالِ ؛ ما بين اللون الأحمرٍ أو الأزرقٍ و العديدِ كم الأاوان ؛ يؤكد إهتمام  وإِدراك الفنانة لأهمية اللون في الرؤية البصرية ؛ كما جاء علي لِسانِ "  جوجان و سيزان "  ؛  وبالقدرِ نفسهِ  يُؤكد علي الحِرفية و المهارة فى الإختيار لِينشأ هذا الإتساق البصرى مع الدلالات الفكرية التى حركت المشاعر و الفكرِ لدى الفنانة  حين تحركتْ بِفرشاتِها على سطحِ اللوحة .

فكانت الخطوط بتنويعاتِها المستقيمة و المنحنية والأقواس والدوئر مُكتملة او غيرِ مُكتملةِ الإستدارة ، وما ينشأُ عنها فى حالاتِ التقاطع والتماس أو التد اخل فى إيجاد اشكالاً هندسية منتظمةٍ و معروفةِ او غير معروفةِ لِتنشأ دلالاتِ بصرية حين تُضيفُ بمهارةِ وحرفيةٍ عالية هذا المزيجِ مِن الألوانِ المُختارة بعنايةٍ فى درجاتِها و إتساقِها و تقارُبِها أو تُضُادُها ومنّ ثمّ الهارمونية اللونية البصرية التى تُحركُ لدى المُتلقى ذائقة القراءات اللونية و مدلولاتِها مِن مخزونهِ الثقافى عن الفن التشكيلى ؛ لِيتحرك بعد ذلك نحو مُحاولة إدراك ما هية هذه المدلولات الفكرية  التى نثرتْها الفنانة  على سطح اللوحة وكامنة بدرجةٍ من الوضوحِ أو الكمونِ فى اللوحة .

 

و من خلال إنتقاء بعض أعمال لها على غزارتها قد نستطيعُ التعرف على شخصِيتِها كمُبدعة ، وعلى بعضٍ من جماليات وتقنياتِها  .

 سنلحظُ ذلك الأسرِ والتكبيلِ لحركةِ الحياةِ فى احد الأعمال الرمزية حيثُ  نرى المرأة مُمَثلةِ الوجود والحياة للأنسان علي سطح الأرض التى جفت  و تشققتْ  ونصب منها الماء واسبابِ الحياة  ، فكانت القيودُ التى تُعيقُ النماء و الإزدهار وإشراقاتِ الحياةِ مِن خلالِ الزهورٍ والثمارٍ فنرى عروقِ الشجرِ الخضراءِ في نموها وزحفها للأعلي نحو السماءِ نراها فقدت الإستقامة و تفرعت بها الأنحناءاتِ فَتعسرَ النمو الطبيعى فأينما إختارت وجههٍ للعلو فالإعاقةِ والمنعِ فى كلِ الإتجاهاتِ ، وإنتصابِ  ( المرأةِ / الحياة ) ، ورأسِها لأعلي ، أهو يُمثلُ نداءٌ أم صلاة ودعاء ؟  وما تحملهُ فى يَدِها أهو ثمرةٍ او أملٍ أم إيحاءٍ بالسلامِ و الخيرِ لِمن يعقلُ أو يهتدى لسنةٍ الحياة وهى حريةِ الإنتماءِ والعيشِ على الأرضِ فى سلامٍ .. 

 وفى لوحة ساحة الحرمين بالقدسِ ؛ هذا الإحتضان البيئى لها تُعبرُ عن حقيقة تاريخية الأرض لِمن  ؟

فى هذه  اللوحةٍ البسيطةِ  نلحظُ  عمقاً شديد الخصوصية وذلك فى إتساقِ و تناغم الألوان و تقاربِها الرائع لقد إنتقت الفنانة أهم عناصر الساحة كصورة بصرية  مألوفة ؛ فَلمْ تُشتط في التكوين مُكتفيةً بالرموز الأساسية للساحة ورموز المسجد القبة و المأذنة والتلال بمساكنها كمُحتضنة  وراعية لها من ناحية و كحِزام أمنى وحرمى لِبقعة مُقدسةٍ لدى الجميع  .

و هناك لوحاتٍ أخرى التعبيرُ فيها غير مباشر إنه تعبيرُ يَنّحى ناحيةٍ أُخرى مثل مشاعر الألم والمُعاناة التى تحفرُ أخاديد وتجاعيد على صفحةِ الوجهِ ، والعيونِ الغائرة ، والدموعِ المُتحجرة فى مشاهد إحتضان شهيدٍ ، أو من خلال طرازاتِ الملابس و الإ كسسوارات أو طرازاتِ المعمار البنائى فى الأبنية والمساكن الفلسطينية القديمة والأزقة والحوارى المتناثرة على التلال  وحقول الزرع و اشجارِ الزيتون ؛ هذا مكنون وينابيع مشاعر الفنانة خطتهُ وطوعت لهُ فى لوحاتِها عناصر الصورة من لونٍ و تكوينٍ ... الخ .

لقد أضافة الفنانة فى مشوارها الإبداعى مرحلةٍ من مراحل التجريب وهى مرحلة السيريالية ، ولكن بخصوصية شخصية وذات بُعدٌ شرقىّ تمحورت حول هموم المرأة فى حسرِها و حصرها فى دورٍ و نمطٍ يٌكبِلُها و يُقصيها و يُلبسُها كينونةٍ تُخرجُها مِن دورهِا الإنسانى  بل والبشرى لِيٌصبحُ دورِها هامشى ، ومُكمل وليس فاعلاً مِن خلال التكبيل الإجتماعى لأنشطتِها و طاقتِها الإنسانية من ناحيةٍ والإبداعية من ناحية اخري ، وحصر هذه الإنشطة فى أعمالٍ ونماذج تتعلق بكينونتِها كأنثى فقط ، لا كشريكِ فاعلِ في الحياة ومساوٍ للرجل ، وذلك من خلال تأكيد " ذكورية " المجتمع وقصرأنشطتِهِ العملية والإبداعية على الرجل ؛ فا إختارات نماذجها فى التكوين وحملتها بدلالاتٍ يكمنٌ فيها القهرٌ للأنثى كما يحملُ دلالاتٍ موازية عن قدراتِها الخاصة متمثلةٌ فى الصبرِ والشجاعة والتضحية و الإباء والحبِ وغير ذلك من القيم الإنسانية العامة التى يتشابها فيها الثنائى البشرى " الرجل والمراة " هذا بعضٌ مما هو كامنٌ في لوحاتِها و لإدراك ذلك عمدت الفنانة إلى إضافة الأيقونات والدلالات المُتناثرة فى المساحات داعمة للعنصرِ الرئيسى فى اللوحة ؛ فضلا عن التأكيد الذى تحملهُ عناصر اللوحة الأخرى من الوانٍ و درجاتِ إضاءة وظلال وفراغاتٍ وخلفياتٍ أجادتها وَظفَتْها بحرفية وتقنيةٍ خاصةٍ بها .

إن المشوار الإبداعى للفنانة / اعطاف نصرى .. حافلٌ بنماذج و مراحل إبداعية مُتعددة ؛ وغنىٌ بمهارتٍ وحرفية و تقنياتٍ وظفتها لِتؤكد ليس قدراتِها  الإبداعية الخاصة ؛ ولكن ايضاً لتأكيد دور المرأة الإبداعى فى التعبيرِ عن نَفسِها مِن جانبٍ وعن مشاكل وهموم  البيئة والمجتمعِ وبالقدر الذى تُحركُ فيهِ عند المُتلقى ذائقة البحثٍ  عن الجمالِ والإحساس بوجود الجمال فى كل ما تقعُ عليهِ عَيناهُ ؛ لقد أفلحت فى ذلك ؛ ويُتيحُ لها منا إنحناءة تقديرٍ خاصة جديرةُ بها .

 

ســيــد  جــمــعــه

ناقد تشكيلى و اديب

23 / 9 / 2020 م


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تستعيد الكتلة روحها قراءة نقدية في تجربة النحات أ د. عادل بدر

بين الحكاية والرمز ... مقاربة إنطباعية في عوالم رواية " تلبيس إدريس إدريس " لــ محمود فتحي

بين واقعية المشهد ونبض التعبير قراءة في لوحات الفنانة وردة