كــوا لــيــس ا لـ " كــو ا لــيــس
"
المجموعة القصصية للروائي / سمير لوبه
... بين أيدينا مجموعة قصصية تحملُ إسم " كواليس " وهي الإصدار الأول للكاتب .
بداية – وهذا رأي
شخصي بالدرجة الأولى – أري من الأفضل عند تناول اي نص لكتابٍ ، ان يكون النص
والمحتوي لهذا الكتاب هو بؤرة التناول والطرح والرأي عند الحديث عنهُ ، ولاشئ سواهُ فلا أسماء أومذاهب أو مقاربات أو
البحثِ عن أي تناص مشابهٌ لهُ أو حتي أي مصطلحاتٍ أجنبية غير مُعربة إلا إذا دعت
الضرورة ، وبعيداً عن إستعراض السيرة الذاتية للناقد لأن هذا الحشد وبهذا الكم
الذي يُصافنا دائما في مثل هذه الندوات يُقلل من الإهتمام بالنص ذاتهُ فيبدو النص
مُتقزماً أو نراهُ في النهاية كا مُتسولٍ
عارٍ تحت اقدام هابطٍ من السماء !
أقول ذلك سعياُ لتحقيق اكبر واقصى فائدة للكاتب اولا ، ثم النص ذاتهُ وبنفس القدرِ للمتلقي الكريم .
وقد يكون اقربُ
للدقة أن اقول في هذا المقام ( ندوة قصر ثقافة الشاطبي ) أن التالي ليس قراءةٍ
للنص وإنما هو أقربُ للتصفح أو عنواين
لمحاور إستوقفتني وهي :
1- صَدر الكاتب في مقدمة كتابهُ فقرة للفنان للمخرج
السينمائي الراحل " شادي عبد السلام .. هذا نصُها:
"
هذه قضيتي ، هي التاريح الغائب ، الناس الذين نراهم في الشوارع والبيوت والمصانع
والمزارع ، هؤلاء الناس لهم تاريخ وساهموا يوما في تشكيل الحياة بل أغنوا الإنسانية
، كيف نستعيد مساهمتهم الإيجابية في الحياة ؟
لابد أولا أن نعرفَ من هُم ، وماذا كانوا وماذا قدموا ،
لابد أن نوصل بين إنسان اليوم وإنسان الأمس لنقدم إنسان المستقبل .. هذه قضيتي
" .
وقال الكاتب عن كتابهُ :
" الرعب ضربٌ قديم من الأدب يقدم ؛حرفة الكتابة
ذاتِها ، وهو يُشكلُ واحداً من الأعمدة الرئيسية للكتابة الخيالية ككل مع الخيال
العلمي و الفنتازيا والجريمة ، ولطالما كان لهُ مريِديه المخلصين " .
من هاتين الفقرتين يتبين لنا بوجه عام ملامح هذه " الكواليس " ، فهي من خلال شخصياتِها الذين هم النهاية نماذج ممن ذكرهم شادي عبد السلام كانوا وربما امثالهم لا زالوا موجودين حاليا في حياتنا نلمس ذلك من خلال أثارهم وما يتداعى علينا بل ويسكن بعضهُ في وجداننا وعقولِنا وذاكرتنا التي تمتلئ بهذا الموروث الحي أو القابع داخُلنا و قد نستحضرهُ أو هي تتجسد فعلا فنُلامسُها أو قد نراها أحيانا رأي العينِ ولا نفزعُ منهُ، فهو من موروث الحكيّ و القص من الأباء والأجداد والجدات أو ما هو مُدون بعضهُ في كتب الأساطير والحكايات القديمة المقروءة أو المشاهدة في وسائل الميديا للكبار والصغار .
2 - نرى الكاتب
يقفزُ إلي مساحةٌ لمحها شاغرة من فترة ، في
ساحة الإبداع الروائي والقصصي بعدما
إزدحمت وأكتظت منصة الإبداع الروائي
والقصصي بنوعيات من قصص الخيال العلمي أو الرويات البوليسية أو الراصدة للبيئات
الإجتماعية المختلفة وما لحِق بها من سلوكيات تخلط ما بين العلمِ والأوهام
والتوقعات المستقبلية بفضل التقنيات الحديثة ، وبعضٌ منها يؤثر سلباً علي القيم
والمعتقدات ومن ثم الهوية العربية فَبحذقٍ
وذكاء لَمحتهِ وإدراكهُ البصير لهذا الواقع الثقافي قفز إلي شغل هذه المساحة الشاغرة لنوعٍ مُختلفٌ
من الإبداع برصد حالة الناس وافكارهم
ومعتدقاتهم وتأثير موروثهم الوجداني والثقافي ، وكان ذلك من خلال قراءاتهِ وبحثهِ
وتغلغلهِ بين ما جاء في وعن الميتا فيزيقا
والغرائب والقرين ، وقد نجح في هذا بملكاتِه وأدواتهِ الإحترافية .
3 – الكتاب
يحتوي على ثلاثة أجزاء معنونة كا التالي :
ا - مجموعة قصص قصيرة
ب - مجموعة قصص قصيرة جدا
ج – يوميات الأستاذ / عبد المعطي
( وهي
مجموعة لقطاتٍ أو شواهد حيةُ ألتقطها الكاتب من مخالطاتهِ للناس وصاغهافي أطار
كوميدي لراقٍ مستوحياً إياها من شخصية عبد المعطي في مسرحية مدرسة المشاغبين ، ربما
لِيُخفف ويرسم إبتسامة بعد جرعة التشويق والغموض في مجموعة القصص القصيرة !
4 – في كل فصول هذه المجموعة القصصية لا يستوقفك فقط
" الحدث " أوالمشهد او اللقطة
المُختارة بدقةٍ و عمقِ وتكثيف ، ذلك أن وراء كل حدث أو مشهد " فكرةٍ "
أ ودلالة هي نِتاج قراءة جادة في كتب التاريخ والفلسفة والادب وكذلك الأساطير
والمعتقدات الدينية والمذهبية
والميتافيزيقيا التي إنعكست في هذه المجموعة القصصيىة أو كانت وراء هذا
الإبداع النوعي .
وعلي سبيل المِثال لا الحصر وكنموذج فقط للتاكيد لِما
نذهبُ إليهِ ، قصة " ميدوسا "
هذه الفتاة الجميلة التي تحولت إلي أيقونة للقبحِ والرعبِ هي قصة لا تقفُ عند فتاة الأسطورة و لكنها تُشيرُ إلي
" الجمال " بوجه عام حين تقتنصهُ يد الطغيان و الإرهاب و الإزاحة و الرفض
للآخر فيتحول " الجمال " جمال الوطن ، جمال الحياة ، جمال القيم ، جمال
كل الأشياء من حولنا ، يتحول إلي شئ قبيح ومًنَفر
بل وداعٍ لمحاولة سرعة الإفلا ت إما
بالهجرة داخل الذات أو الهجرة خارجها ولوبعيدا عن الوطن ، بل ونبذ وعدم الإيمان بفكرة الإنتماء لمكانٍ ليس فيهِ " جمالاً
" أو حريةً والإنتماء إلي مكانٍ أخر فيهِ ألامن و الآمان "
فيه “ الجمالُ " يسكنُ الأحداق !
وهذا ما نجدهُ لهُ تأكيداً في كل القصص القصيرة
أوالقصيرة جداً أو علي "حكاوي المقهى ، مثل (القلب الأرجواني ، الغرفة ، عروسة الماريونت
... الخ .
إن القارئ لهذا الكتاب سيجد نفسهُ شغوفاً لقراءة ثانية ،
و ربما ثالثة ، يدفعهُ لذلك قراءاته ومخزونهُ الثقافي الذي تُملُ هذه الدلالات
بعضاً مما هو كامن في هذه النصوص .
أخيرا
الكاتب يمتلكُ حرفية لغوية من خلال دراستهِ الأكاديمية ، فهي حرفية ثرية
تؤجج النص من خلال المفردات والجمل والفقرات شديدة الحرفية فلا إسهابٍ مُمل أو
إختزال مُخل ولا عنترية تعبير فوقية وإنما هي سياقاتٍ لغوية تعبيرية دقيقة ،
ايضاً الشخصيات و أوصافِها العادية والمشاهد الدافقة في
نقل الحدث من مكانٍ وزمانٍ لأخر عبر
" ميزانسين " حركي شبيه بالمشهد المسرحي كخلفية حواراتٍ مُعبرة بلا
إطالة أو إسفافٍ تضافراً مع عناصر القص الأخرى التي يمتلكُها و يوظفها التوظيف
الجيد ، إن هذا يزيدُ من شغف القارئ إلي التتبع والرغبة في إدارك نهاية الحدث ،
فلا يهدا أو يَملُ قبل أن يعرف ،لكنهُ في
الغالب يُفاجئ أن النهاية على غير ما يتوقع !
ســيــد جــمــعــه
ناقد تشكيلي واديب
تقديري وامتناني إلى أستاذ ومعلمي الأديب والناقد سيد بك جمعة
ردحذف