رؤية وتأملات في رواية

 

ا لــنــز يــل ا لــجــديــد 

 


 

رواية لـ اد. عبد الرحيم درويش


 

 

 " إن فهم الفن طريقة ممتازة لفهم المجتمع ،، وإنه دون المنظور السوسيولوجي،

  سيكون فهمنا للفن والمجتمع وأنفسنا قاصراً كل القصور "

سوسيولوجيا الفن

طرق للرؤية

تأليف : ديفيد إنغليز  & وجون هغسون

ترجمة: د. ليلى الموسوى

" عالم المعرفة 2007 م "

 

يقول أرنولد هاوزر في كتابه " فلسفة تاريخ الفن " :

" نحنُ نعيشُ الآن عصر التفسير السوسيولجي لمنجزات الثقافة " .

 

 .. إن المتابع لروايات ومؤلفات د. عبد الرحيم درويش  - وهي غزيرة بالنسبةً لسنوات الإصدار-  يلحظُ أنها في مُجملِها ترصدُ الواقع الاجتماعي وإرهاصات التغيير فيه قبل وبعد العقدين الأخيرين ، أي منذ بداية ألفية  القرن الحالي ونرى معاً ، أنه إذا كان نجيب محفوظ إختار في كثير من رواياته " المكان " كمسرح لشخوصهِ وأحداث رواياتهِ ؛ فإن كاتبنا إختار " الزمان " كعنصرٍ هام في كل روياتهِ ايضاً  والذي تتحرك فيه شخوصهُ وأحداثهِ ، بل وأولى جهدهُ إلى تَعددْ       " الطبقات الاجتماعية للشخوص " ، ليس فقط من ناحية الحالة الاجتماعية بل    و الحالة " النفسية " وذلك لدورهما في رصدِ حركة " التغيير المتجانس والمتوازي" لمبادئ وسلوكيات الكل وعلى كل الأصعدة والتأثير المُتبادل بينهما وفي صناعة  وتصاعد الحدث ودلالاتهِ المختلفة عبر فصول الرواية

هذا ملمحٌ سريعُ قبل أن نمضي إلي ملامح وإضاءاتٍ سريعة عن الرواية .

 

ا لـغـلا ف :

 وهو كأول عتباتٍ للمحتوى تطالعنا خلفية سودء تعني الظلام والظُلم من خلال غرفة أي سجين ، نافذة بقضبان يتسلل منها ضوءأ ربما هو الأمل المُحتمل وقبضة تُشيرُ لقوة وإرادة وتصميم على الهدم والتدمير للخروج لساحة الأمل حيث بالأسفلِ  ذراعين مفتوحين لثائرٍ يصيح بقوة مع الثوارعلى خلفية العلمِ باللون الأحمرِ والأبيض ، وتأتي حروف  العنوان بلونيها الأبيض والأحمر ونموذج ونوعية الخط تأكيداً لحالِ النزيل الجديد من معاناةِ الإعتصار البدني والنفسي في الزنزانة ..

 

ملامح عامة للشخصيات والأحداث :

شريف 

 الشخصية الرئيسية في الرواية هو النزيل الجديد مُثقف و مدير تحير صحيفة معارضة خاصة إلتحق بها بعد عمم رضاهُ عن وظائف لم يجد نفسهُ فيها ، وتدرج في مناصب عدة حتي مديرا للتحرير علاوة عن أنه كاتب قصص  ومهتم بمتابعة الحالات الدنيا من فئات الشعب ، إنه يحملُ مبادئهُ في حركاته وسكناتهِ وأمامهُ على مكتبهِ وجدران غرفة مكتبهِ  كباً وصوراً لشخصيات مناهضة للإستبداد  ، إنه لا يقبلُ المهادنة أو  المهانة ، بل  قادراً على تحمل الضغوط ،لكن الإستسلام  ليس من طبعه فهو لا يكترث أو يُقيم الحياة بالماديات شائهُ  شأن زوجتهِ " أمينة " المُبتلى بها وبأمها " نفيسة " الشيطانتين الذي يُزين لهما الشيطان الحياة بخرفشاتِ وصليل المال ومظاهر الغنى الخادعة ، فيما عدا حماه الطيب الخنوع والضعيف  ، لكنهُ السند لهُ  بلا قوة  كزوج و طليق إبنتهِ وكذلك أمام زوجته نفيسة وإبنتها "أمينة "  وحفيدهُ " احمد " ، ذلك الصبي الشبيه لأبيهِ في كل شيء لا تربطهُ الإبوة  والحب فقط بأبيهِ  وإنما المبادئ والسلوكيات والإباء والقوة بل والكبرياء  وقول الحق في وجه الباطل وذلك بل رباطا ً يُخخف من حدة معاناة كليهما  .    

يدخلُ "شريف " نتيجة لمبادئه السجن ووشاية ومكيدة من زوجتهِ وصديقه الخائن له والطامعُ في سحقه وإهانته بالزواج من طليقته وليس حبا فيها فهي علاقة مصلحة واهداف مشتركة أنما نكاية لصديقه حسداً وغلاً ،  وبالنسبة لها هي إنتقاما من طليقها الذى تشعر دائما أنه هو الخائن لها لعدم إستكانتهِ لها وموافقته على الطلاق في لحظة طلبها الطلاق كما إعتادت ظناً منها لن يجروء أو يوافق لكنه فاجأها في المرةِ الأخيرة .، شريف يُقدمه الكاتب ليس كشخصية محورية فقط وإنما كنموذج لرافع المبادئ وهول ما يواجهه مع قوة الءجلد والصبر والإخلاص وتحقيق الأمل بالإرادة والعلم .  

نِــيـفـيـن

سكرتيرة مكتب شريف بالصحيفة فتاة لطيفة مثقفة ولها كبرياء خاص مُخلصة في عملها وأمينة فيهِ تُحب شريف وتعرف مكانته كرئيس تحرير للصحيفة ومدى علاقاته المتميزة ومبادئِه ولاؤه للمبادئ التي يؤمن بها حتي حد التضحية بكل شيء رغم ظروفه العائلية وحبهِ لإبنه وعلاقته بزوجته قبل وبعد طلاقهِ لها ، ومدى حبهُ الأكبر لإبنهِ أحمد تٌحبهُ الحب الصامت رغم الغيرة والمضايقات العنيفة والمستفزة لحد الإشتباك بالأيدي ة والتهديد بالطردِ من المكتب ، وعلاقات متوترة حتى بعد طلاق شرف لزوجته ، فضلا عن إهتمامها بإبنه لتكون الوسيط بينما عبر احداث الرواية وتبادل الصبي معها الحب  والحنان الذين إفتقدهما من أمهِ وجَدتهِ وخنوع جَدهِ حيث يفيشُ بينهم .

أ مـيـنـة

زوجة شريف ، امرأةٌ حادة الطباع ، المادية البغيضة والأنانية وحب الذات وبتشجيعٍ من أمِها خربت حياتها وجعلتها جحيم لا يطاق لا تأتنس مع الحب والود والمودة والعلاقات الطيبة ، لكنها الشراسة والحدة في أهدافِها و وسائلها لتحقيقها ، حتى مشاعر الأمومة لا تكترثُ بها كثيراً و تتحول حياتها وفقا لهذا الخليط كله إلا صراع وحرب مدمرة لزوجها ولبيتها فتتحالف مع الصديق والمناوئ والمنافس لزوجها وتسعى للزواج منه بدون حب و إنما فقط للإنتقام من شريف طليقها ، ودعم وتشجيع من أمها " نفيسة " التي على شاكلتِها تكرهُ شريف وإبنهُ احمد وتذيق الصبى ألوانا من المهانة والإستهزاء على مدار اليوم ولا يخفف من حدة هذه المعاملة سوى ربتت حنية من زوجها جَد الصبى .

عـا د ل  فـو زي

غريم شريف ورفيقه ايام الدراسة ،  وبعد التخرج تزوج من إبنة مدير المخابرات كوصولي وإنتهازي ولكن غيرته وحقده  تملكاه  من نجاح شريف في عمله وتبؤه منصب مدير التحرير في الصحيفة التي يعمل بها وعزم على كسره وهدمه وتدمير مستقبله فبدأ بلف شباكه على  سامية  بعد أن طلقها شريف من خلال عرضه أن يساعدها في الإنتقام منه إذا وافقت على الزواج منه ، ودخل بيتها واستحوذ علي أمها بمكانته ورغبته في تدمير شريف فقبلت به بينما رفضه زوجها واحمد إبن شريف اللذان لا يُطيقانهِ شكلا وسلوكاً .    

عشماوي و زين جمعه  ، ومنى عشماوي ، ومبروك زين ، ومحب عاشور .

رباعي مُثير في تكوينهُ ودوره في ربط الأحداث ،

عـشـمـا وي

 يعمل في جهاز الشرطة برتبة " شاويش " وظيفتهُ مسئول عن إستقبال من يودعوا في الحجز لحين عرضهم على النيابة ، وله خبرة وإسلوب  ككل المسؤلين عن عنابر الحجز فهو يعرف كيف يُهينهم بكلامٍ بذيئ  وضرياً مبرحا ما بين لكمات وركلات في كل أجزاء الجسم وقادرٌ على إلحقا الرعب والصمت والخشوعِ لكل نزيل في العنبر ، لكن ولول مرة ربما يواجه بنزيلٍ جديد يشتبك معه كلاماً وبالأيدي حتى يحجمهُ تماماً ويُصغرهُ امام المحبوسين حين فاجأهُ النزيل شريف بلكمةٍ في صدرهِ من خلف القضبان فارتد مُتراجعاً في خوف واضح الأمر الذي جعله لاحقا يُبدي ندمهُ انه لم يعمل مع أخيه جزاراً كما عرض عليه أخيه زين الجزار الذي يملك محلات جزارة في الحي وله صيتٌ في الحي .

مـنـى 

 أما إبنتهِ منى التي تعملُ مُدرسة  فهي فتاة إن لم تكن فائقة الجمال فهي رصينة وتعرفُ قدر نفسها إكتسبت صرامة من أبيها الذي تعيشُ معه بعد أن أوهمها من الصغر أن أمِها  التي إنفصل عنها ماتت بينما هي  تزوجت لاحقاً لكن كانت تُطاردها  إتهامات تتعلق بسلوكياتِها .

 منى أحبها كل من إبن عمها مبروك و مُحب عاشور المهندس الشاب المثقف والناشط المعارض للنظام و الذي يراها حبهُ الأول والأخير ويسعى للزواج منها رغم معارضة والدته بسبب فارق المستوى الاجتماعي  الذي بينهما .

ز يــن 

الأخ الكبر لعشماوي فهو جزار  كبير وله صيبتُ وغني في الحي متزوج من حسنية  التي لم تعد تناسب الفحولة لديه فيعشق  شهوة و شبقا سامية  الأرملة التي        تستأجر منه محلا وسيلتهُ في الحرش بها وإرغامه على الزواج منه ، و يحاول تزويج ابنه مبروك من إبنة أخيه ليزيحهُ من امامه بعد ان عرف انه يريدأن يتزوجها بل ويطرده من العمل معه .

مـبـر و ك

مبروك فقد  نشا صبيا يعمل مع والده الذى منعه من إستكمال تعليمهِ حيث أن دخله من الجزارة يُمكن أن يفوق أضعافاً من أي دخل يَدرُهُ عليه أي عمل بشهادة ما ، لكنه وقع في غرام سامية الأرملة يعشقها عمه المتزوج من  -   حسنية  التي ينعتها وجها بوجه بالبقرة  - أما سامية فهي بطبيعة الحال ترفضه كما ترفض إبنهُ رغم محاولات الأثنين الأول من قهرها وإغرائها بماله والثاني بشبابه وانه ترك العمل مع والده ليؤكد لها إستقلاله عنهُ وقدرته على توفير حياة أمينة لها.

 

ونمضي وقتا ليس بالقصير مع أحداث تُحركها هذ المجموعة من الشخصيات الرئيسية في الرواية    التي تجسد لنا الملامح الخاصة بكل شخصية من خلال  سلوكياتِها الكاشفة للمبادئ والأهداف         والتحور الذكي أو الغبي وفقاً لما هو كامن   ومطمورٍ في عمق الشخصية ، الأمر الذي يزيد الحدث   أو الاحداث  ديناميكية لمحاتٍ من التشويق عبر الإسلوب السردي الذي يَمْلُكهُ الكاتب بتميز ليصل    عدد الصفحات لِما يقارب الأربعمائة صفحة .

حيث تتسارع الأحداث إلي النهاية حين يظهر أبطال وشخصيات جديدة يمهدون لإرهاصات التمرد     التارخي في 25 يناير لإقتلاع  سلطة الإستبداد والقمع الذي أرهق البلاد على مدي ثلاث عقود .

تمثلت تلك الإرهاصات مع ليلة القبض على صلاح الناشط والمعارض بنفس الصورة المتكررة إقتحام شِرطي وأمني لإعتقاله هو أو أمهِ كرهينة بعد الوسائل المُهينة من ضرب وشتمِ وركلٍ وتأكيد أن      المقتحمين لا راد ولا رادع لهم  ، إسوة   بما حدثِ  ويحدثُ عبر السنوات التي خلت ويمثلُ ذلك       شخصية  علي الصفتي   ضابط الشرطة الذي يسحله السجناء ويبصق عليه الجميع إبان خروج   المتظاهرين وإقتحامهم للسجون ومراكز الشرطة في كل مدن وعواصم المحافظات مع شعار تلقائي  الشعب  يريد إسقاط النظام  الذي دوي في سماءِ مصر كلها وتناقلته وكلات الأنباء و وسائل        الإعلام الدولية .

ويختم الكاتب سطور الرواية بـ ( محب و نوال وشريف واحمد )  في ميدان التحرير  يهتفون بصوتٍ واحد :

 الشعب يريد إسقاط النظام  .

 ........

تمتاز الرواية بقدرة سردية متميزة ، مع توظيف الشخصيات والأحداث ليعرض لنا بنوراما لفترة     وحدث تاريخي نستشعر منه ظلال وسلبيات أرهقت افراد المجتمع  وكادت  تورثهُ الإحباط ونزعٌ       لبصيص  من الأمل لولا شخصيات حقيقية إنتزعها  الكاتب  من خلال الرصد والنقل الجيد والتلاحم   والمعايشة الحقيقية لكثير من الوقائع الأمر الذي ساهم في وصول عدد الصفحاتِ لأربعمائة صفحة   قد يرى البعض أنه كان يمكن الإختزال منها لكن جاءت الإطالة لتصنع   رواية  ، غيرأن الحقيقة  كان من المهم تعدد الشخيات وتعدد بيئاتهم الإجتماعية كي نرصد مع   الكاتب صور التغيير في        السلوكيات افعالاً وقولاً على الصورة التي اهتم بها الكاتب فنري بدقة اكبر وأشمل ما يدور في         الزنازين وكيف يتم التعامل مع النزيل الجديد   من المسؤلين برتبهم المُختلفة وذات الطابع والسمة   الغالبة وهي الإهانة بصور متعددة للنزيل ، فضلا عن كيف يحتفي النزلاء الأقدم بالنزيل الجديد يصور لنا الكاتب ذلك وكأنه عايش التجربة او لمسها من خلال معايشة حقيقية ، ويتحرك  الكاتب على نفس المستوى لتصوير بعضٍ من سمات الأسر المصرية كا أسرة شريف وشخصيلاتٍ تكاد تكون مُتنافرة طباعاً وسلوكياتٍ راصداً إلي ما تقوده تلك  المفارقات التي تجمع هذا الفصيل تحت ثقفٍ واحد ، وكذا اسر الشقيقين زين وعشماوي ، وكيف ايضا تمضى حياة الفتيات والسيدات المتزوجات والمُطلقات     والأرامل وكيفية الصمود والمواجهة امام  سلوكيات وطغيان العالم  الذكوري   ناهيك عن      قوانين الأسرة خاصة التي تُعني بالحضانة والطفولة ، كما ينتقي الكاتب بدقة أساليب العمل سواء في الجهات الحكومية كالشرطة والقضاء وغيرها  بجانب الأعمل الخاصة الحِرفية والمهنية ... الخ  ، إن هذا التعدد الذي إهتم به الكاتب حَرِص من خلاله الكاتب أن يبين سهم ومؤشر حركة المجتمع في ظل نظام فرض و احل ممارسات غير عادية علي افراد المجتمع بأسره كاد يقودهُ بل قادهُ فعلا إلى إنزلاقٍ  حاد إلي الأسفل لم يكن لها من دافعٍ أو رافعٍ غير حركة ميدانية واسعة ضجت ونفرتْ من المستنقع  الذي شعرت أنها أشرفت على السقوط فيهِ  .

الرواية هي عمل ليس أدبياً مُتميزاً فحسب بل هي تقترب من بنوراما إجتماعية  مُجسدة  لصور      وتعريف من منظور  سوسيو لوجيا الفن  الذي تم ذكره أعلاه  ، ومن خلال رؤية كاتب روائي     طوع بقدرة فائقة ادواته الفكرية  وآلياتهِ والسردية  .   

 

 

 

ســـيــد  جــمــعــه  

                                       

ناقد تشكيلي وأديب

11 / 6 / 2023 م     

 

 

 

تعليقات

  1. قراء مستفيضة قيمة لرواية ضخمة ليس فقط بحجم وعدد أوراقها بل لكونها تشكل حلبة اجتماعية تشخص شخوصا في تنوع حسب المركز الاجتماعي ودوره في المجتمع وتطوره عبر الصراعات الإجتماعية لتكون حركية * ثورة الغضب * القيمة السياسية لتكون الرواية احد أدوات التغيير الاجتماعي وبذلك يتجسد الأدبي بالسياسي

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تستعيد الكتلة روحها قراءة نقدية في تجربة النحات أ د. عادل بدر

بين الحكاية والرمز ... مقاربة إنطباعية في عوالم رواية " تلبيس إدريس إدريس " لــ محمود فتحي

بين واقعية المشهد ونبض التعبير قراءة في لوحات الفنانة وردة