قراءة في رواية " إسمي رباب " لـ د. عبد الرحيم درويش
" إسمي رباب "
أهي "رباب " التي في خاطرنا .. ؟ !
د. عبد الرحيم درويش .... .... روائي وقاص وإعلامي اكاديمي مُتميز صدرت له عديد من
الإصدارات ما بين مجموعات قصصية ( 3 ) ؛ وروايات بلغت ( 16 ) رواية - بعضها بلغت طبعاته اربع طبعات - و مايزيد عن عشر كتب في مجالات الإعلام والدراما وحصد على جوائز ومراتب شرفية في العديد من المسابقاتِ منها مسابقات إحسان عبد القدوس للرواية العربية، وكتارا القطرية للرواية العربية ايضاً وغيرها ، فضلا عن عن دوره كناقد ادبي على عديد من منصات النقد الأدبي وابرزها إتحاد الكتاب و ندوة مؤسسة عبد القادر الحسيني الشهرية وغيرها من الندوات التي يُدعى إليه ، إذن نحن مع عمل روائي من روائي مُحترف كرس جهده الأدبي في رصد التحولات والتطور الذي تشهده مصر من عقود وأنظمة حكم متباينة وتأثير ذلك علي البيئات والطبقات الاجتماعية والإقتصادية المختلفة وهو ما قد يُشكل تغير ولو مرحلي في الهوية المصرية ورصدها وتسجيلها له أهميته لدي جهات معنية عديدة ؛ عليها بعد التحليل والإدراك الكامل لِما في الصورة من سلبيات تدرأ به عوارا وخدشا في صورة الهوية المصرية العميقة والمُتجذرة عبر ثقافات متنوعة مرت بها مصر قبل وبعد الأحتلال والحروب والنكسات وأيضا النجاحات التي حققتها ورسختها عن بنية المصري الرشيد في بناء أمتهِ والنهوض بها لتتبوأ مكانتها بين الشعوب العربية وبين دول العالم وحضاراتهِ الشرقية والغربية .
غُلافُ الرواية في ثُلثيهُ نرى فتاةٌ تعدو بين عيدان وسنابل القمح ، تبدو منطلقةً رافعةً الرأس وحركة يديها تقذف بها للأمام نحو أملٍ وحلم تَطلعُ إليه وشَعرُها الطائر خلفها يعكس قوة إنطلاقها وبهجتها العارمة وأعلى منها جزءٌ غير مُكتمل من رسم للكرة الأرضية التي تعني بهذا التصميم وبإختلاط الأبيض والأزرق ودرجاتهما ، وهذا التباين الشفاف الواضح من إحتضان الأبيض دلالة الأمل والإنفراج بعد الأزرق الداكن الذي يُعبرُ عن أثقال الغيب وأنواء الأحداث الصاخبة والصادمة في كثير من أحداث الرواية ، ويأتي بعد ذلك إسم الرواية " إسمي رباب " ليقودنا إسمُها إلي حياة فتاة القصة التي جعلها الكاتب " الراوي " الأساسي لأحداث الرواية وهي ما زالت جنينا في بطنٍ أمها لم تُولد ؛ ولم تر نور الحياة وهي في ظلماتِ رَحِم اُمها ونرى ونشهد معها تقاطعات ودواماتٍ عاصفة بين ابطال وشخصيات عديدة في القصة ؛ التي عمد الكاتب على التنويع في رسمها ليعكس من خلال ذلك أتون التغيرات المجتمعية وبعض من الأحماض التي كادت تشوه الهوية المصرية وهو محور إهتمام الكاتب .
رباب ذلك الجنين الذي رصد ورأى صورة اُمهِ الأنانية التي تعيش مع زوج لا تُطيقهُ وتنعل الأم حظِها أنها كانت من نصيبه من تزوجته دون حبيبها الذي لم تنساه رغم الحب والكرم والعطف الذي يُمتعها زوجها به بل لا زالت رغم زواجها تحلم بالزواج منه بعد طلاقِها بل والغريب انها نتيجة لهذا الحب كرهت جنينها " رباب" قبل أن تولد ، وبعد أن رزقها الله ببنتين اُخرتين كانت تفضلهما عليها ، أما الزوج فعلى طيبته وحبهِ لها وإدراكه لشغف زوجتهِ بحبيبها بل و جهرها بإسمه امامه ورغبتها وتهديدها له أنها لا تطيق العيش معهُ ، فإنه كان رؤوفاً بها عطوفاً عليها يستجيب لكل مطالبها ويقبل الإهانة الصارخة منها بل ويكتب لها " حُجة البيت" حتى تحول دون مشاركة إبناء أخيهِ لها في الإرث ،ويأتي هذا في حوار الأب مع إبنتهِ :
( رباب – يعني هذا أنك تفعل ما تريد ؟ لكم
انا غبية ! لقد ظننت أن أمي محت شخصيتك تماما .الأب – طبعا يا رباب . افعل ما أريد
، الرجولة ليست بمحاولة فرض الرأي بالقوة . أنا افعل هذا من أجل الله وصلة الرحم .
) .
أيضا هذه المولودة التي تأتي إلي حياةٍ ارضها لا ترحب بها من وقت ما كانت بالرحم ؛ الرحم الذي إتسع لها شهور الحملِ رافضاً لها ، تأتي لتشقى في كل مراحل عُمرها تُعاني القسوة والجفاء من أمها بعكس ما تلقى من أبيها من حبٍ دافق يجعلها لا تشفق عليه فقط ؛ بل تكادي تُعادي أمها واخواتِها من هول ما مر بها ، ومع مراحل النضوج تُغرم بشابِ وجدت فيهِ ومعه الراحة والأمان والحب العفيف والجنة التي تنتظرها بدلاً من لهيب الجحيم الذي تعيشهُ بين أم شرسة وأب عجزا الأثنان معاً عن توفير مناخ الاستقرار والحياة الطبيعية التي ينشدها كل مولودٍ ذكرٍ أو أنثى ، لكن الحياة تقذفها دوما بأعاصير ودوماتٍ تكاد تقتلعها ولا تقتل فقط الأمل فيها ، فما بين أحداثٍ ساقها الكاتب ليرسم لنا تغيرات الشخصية المصرية والبيئة المصرية وما لحق بهما من عوارٍ وتداني في القيم والمُثل نرى حبيبها – عبد الجليل - ومًنقذها المنتظر يتغير أيضا فجاءة ؛ فبعد الحب الذي كَنهُ لها والحلم الذى بني صَرحهُ معها إذا بهِ يتبدل ويقع في الشرك الذي نصبته الأم له ليخطب شقيقتها بدلاً منها ، وهو لا يشعر انه فَضل الخيانةِ على الأمانةِ والغدرِ عن الوفاءِ بما وعد به ،بل كان خيارها بين نقيضين حبيب تغير بعد ان طالت قامته ونجح ؛ و أمل في خطيب – سامي - فقير ومُتعسر الأحوال يوافق الأب عليهِ قائلاً ( الفقر لا يُعيب الرجل ، والحب وحده لا تُبنى عليه بيوت يا رباب ) < لاحظ التمسك بالقيم > ، وهكذا حياتها بين خياراتٍ حادة تبلغ في كثير من المرات تكون بين متناقضات مُتباينة سواء بين قيمٍ ومبادئٍ او شخصياتٍ أوأحداثٍ دارت حولها بل ومست فيها أشياء كثيرة بها من العمقِ ما يُزلزل كياناتٍ رصينة منها كما تقول :
( تم الزواج - من عبد الجليل ذلك الحبيب الخائن -وصرتُ أبحثُ عن الطلاق في نفس الليلة . كررت ما حدث لأمي وكان السادس من أكتوبر يوم " مقتل السادات " صبيحة أول يوم لي كزوجة لم تسمح لزوجها أن يمسها & صرت زوجة تكره زوجها (عبدالجليل ) لا يريد أن يطلقني & عساى أجد طيف سامي بكر( حبيبها )ولعلني أنعمُ منْهُ ولو بنظره لعله يلقاني هنا في عالمي الحبيب ) . تناقضات وتقاطعاتٍ شائكة وأحداثٍ ضفرها و أحاط بها المؤلف " رباب " ليعكس من خلالها الكثير من مظاهر التغيرات السلوكية والقيمية في إطار عام من الأحوال السياسية والإجتماعية الحالية والسابقة ، كأنما يتتبع المظاهر والأثار لاهميتها لذوي الإختصاص المعنيين بإصلاح العوار الذي يُهدد الهوية المصرية الأصيلة المبنية على العقيدة الدينية والموروث الحضاري الذي يهتم ببناء الإنسان نواة المجتمع والبيئة صانعة الوطن والهوية المصرية .
المؤلف يُجيدُ بتفوق ومقدرة من إحكام بناء الهيكل الرئيسي للرواية ودعمهِ بروابط تشدُ أذرهُ ليظلُ البنيانُ والهيكل مشدودان من خلال الربط المُحكم بتتابع الأحداث من خلال الشخصيات نفسها على تعددها وإختلافاتُها الذاتية دونما أن نشعر أن المؤلف ينطق او يتصرف عنها وبقدر ما تكون سلوكياتها هي قرينة ومماثلة لسيكولوجية الشخصية نفسِها التي بناها الكاتب
وتأتي اللغة والحوار في إنسجامٍ تام مع الشخصية ممزوجةً ببلاغة لغوية بعضُها من القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية أو القوال المأثورة ناهيك عن قدرات المؤلف الشخصية في الوصفِ والسردِ الشيق والإحتفظ دوماً بعناصر الجذبِ والتشويق ومن خلال التغيراِ ت وزخم الأحداث المفاجئة .
قد يرى البعض أن كثرة الشخصيات أعطاها هذا الحجم ( 285 صفحة مقاس 14/ 20 سم ) ، لكن مؤكد أن ذلك كان مُتعمداً ولضرورة أساسية ان الرواية ليست عملا روائيا فحسب وإن كانت كذلك ؛ فهي عملٌ يرصدُ تأثير التغييرات الاقتصادية على بنية المجتمع وشخصيات افرادهِ وكذلك تغييرات النظم السياسية نفسها التي تخلقُ طبقاتٍ وفئاتٍ بعضُ مِنها أو أغلبها يًؤثر سلبا على طبيعة السلوكيات وإنحسار القيم وإرتفاع وإنبثاق قيم مُخالفة للمألوف لكنها تبقى رهينة بالنظام السياسي حتى يتغير ؛ لكنها تَكون قد رسخت قيماً ناشزة ومرفوضة كما " حشرة السوس " ناخرة في الجذور الأصلية والأصيلة وهادمة وقاتلة للفروعِ وبالتالي الثمار .
نتوقف امام هذه الفقرة :
( - عبدالجليل, أخبرني هل شاركت في انتفاضة الخبز؟
- قصدك انتفاضة الحرامية؟
- السادات هو الذي أطلق عليها هذا الاسم. هيئة الإذاعة البريطانية أسمتها ثورة الجياع.
تلفت حوله وقال :
- شاركتُ وكنت غبيا. أنا الآن مع السادات. سنعيش في عصر الخير. سنصير أغنياء.
- هل بعت مبادئك كما باع السادات أحلام الملايين من العرب؟
- تغيرتُ يا رباب.
- للأسف تغيرتَ للأسوأ.
- بل للأحسن. قادتنا ورؤساؤنا يعرفون أفضل منا.
) .- لقد ابتلينا بحكامنا.
و نتوقف أيضا لرصد معالم تأثير النظم علي القيم والسلوكيات في البشر العاديين :
( - يبدو أنك لا تعرفين ماذا يجري في السجون والمعتقلات. سأسير جنب الحائط. اسكتي فللحيطان آذان
-آذان الحيطان لا يخشاها إلا الجبناء
- لقد وعدتُ ماما " جميلة " ألا أتحدث في السياسة وألا أشارك فيها
- ووعدتها ألا تصلي؟
- لا. سأصلي ولكن ليس في المساجد. النبي يقول: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا". لن أصلي في المساجد. أنت لا تعرفين ماذا يحدث من زوار الفجر
- صرت جبانا يا عبدالجليل. حلقت لحيتك؟
- لا. صرتُ عاقلا. اللحية سنة وليست فرضا. إذا كانت اللحية ستجلب لي المشكلات فلا أهمية لها
- أنا احتقرك. بعت نفسك وأهلك ومبادئك. تصور يا أخي أن بعض الشيوعيين أشرف منك
- أنت لم تتذوقي طعنة الفقر. لم تجربي الإهانة وفقد الكرامة في المعتقلات. لقد كنا والشيوعيين في خندق واحد ضده وفرق السادات بيننا وشتت شملنا. لا. أنا أحب سيادة الرئيس المؤمن محمد انور السادات. الزعيم الملهم )
وأخيراً .... مع هذه الفقرة :
( أكان السادات على حق عندما دعا أن تكون حرب السادس من أكتوبر آخر الحروب بين العرب وإسرائيل؟ لماذا لا أتغير أنا؟ أتزوجه كما تريد أمي؟ أبي يريدني أن أتزوجه. لا يمكن أن أتعلق في أستار الحب البالية الذائبة الواهية. قد لا يقبلني سامي بكر. قد لا أراه ثانية. فليكن. ليكن لك يا أمي ما تريدين. اليوم الأول من أكتوبر. أية مصادفة هذه. بعد خمسة أيام سينفش السادات ريشه ويسعد بالعرض العسكري تماما كما يفعل منذ نصره الوحيد على اليهود. ستملأ ابتسامة هذا الفرعون الشاشات وسيحضر عروضه العسكرية. سيخرس جميع المعارضين. لقد وضعهم جميعا بالسجون. سأراه مزهوا بنصره وجنوده الذين من حوله تماما كما أري نظرات أمي الباسمة المنتصرة.
) . أمي الرئيسة جميلة وهو الرئيس السادات..
( بعتَ المسجد الأقصي أيها الرئيس أم بعت القضية كلها؟ مشروعات التطبيع مع العدو تنفذ وتجعلنا نحلم كذبا بثمار السلام؟ كيف والغلاء يستشري؟ ) .
يتوازى إهتمام الكاتب برسم الشخصيات وتعددها ليس فقط مع البيئة والوسط الاجتماعي لها لكن أيضا ومع عنصر " الزمكانية " من خلال الربط المتسق بتغير الأنظمة التي تُلقي بِثِقلها الغاشم على التربة والبيئة الصالحة والهوية العتيدة لتجعل منها مسخاً بائساً تدهسه عجلات تقدم الأمم في سعيها الدءوب وراء التطور للأفضل .
أتكون رباب الرواية ..
هي " مصر " التي يروي قصتها الكاتب وهي تُحدثنا بإسمها وهي جنيناً في بطن أمِها ؛ تُحدثنا عن حياتها المُتخمةُ والمحاصرة دوماً بين - الألم والأمل - قبل أن تولد وبعد ان تُولد ؛ و تُعاركُ الحياة والحياة تٌعاركُها ؛ أ هي مصر بلد الحضارة ؟ يُقنعنا بذلك ما حدث ويحدثُ لمصر الأن ومن عقود قليلة زمنياً لكنها بِعمق الأحداث الجسيمة التي تمر بها الأمم ،
تبدو كأيامٍ لم ينطفئ وهج أحداثها وآلامِها ومخاض أنظمة ليس إلا ..... ؟!
الرواية تحليل دقيق لأفراد وشخصيات متنوعة مُختارة بدقةٍ من طبقات وبيئات متنوعة ومتباينة ، وأيضا عرض وافٍ لتأثير النظم السياسية ثقافيا على هوية الوطن وسلوكيات أفرادهِ ؛ وهو أمر نستشعرهُ وهو يحرصٌ عليهِ في مُجمل أعمالهِ ويُحسب لهُ .
ســيــد جــمــعــه
ناقد تشكيلي واديب 28 / 2/ 2024 م






تعليقات
إرسال تعليق