عَينُ العِشقِ في مملكةِ الريحانْ
حِمدان
عَينُ العِشقِ في مملكةِ الريحانْ
*********
د. جُمان الريحاني
د. جمان الريحاني أديبة جزائرية جاء في سيرتها الذاتية أنها :
روائية وشاعرة ورسامة جزائرية، متحصلة على شهادة دكتوراه فخرية من جامعة أمريكية، متخصصة في السينما وشهادات أخرى في مجالات أخرى
صاحبة 130 كتاب روايات، دواوين شعر، مجموعات قصصية وكتب في النقد والفلسفة
الأعمال متنوعة بين الخيال والرومانسية والحب والمغامرة والرعب والأشباح والأرواح والسحر والشعوذة وغيرها ) .
تقول ايضاً :
" " عشقي للكتابة نابع من الحياة ولولا الكتابة لما استطعت أن أصبح فردا من هذه الحياة التي تحاول هزيمتنا ولكن لنا طريقة للتعايش معها فنجعلها تحبنا ونحاول ان نحبها وربما قد يكفينا التصالح معها"
*****
صَدر البير كامي الفرنسي روايته الوجودية الأشهر " الطاعون " بعبارة أنقلها مع تحوير فيها يقول :
( يتفق لدى العقل تشبيه نوع معين من " المكان " لا يوجد بنوعٍ أخر يوجد حقيقةً ) ، فقد تكون مملكة الريحان مكاناً لا يوجد حقيقةً ، لكنهُ يوجد أو نتمنى ونحلم بجوده في عالمنا الذي يكاد يكون جف من ينابيع الحب والعشق الإنساني السامي والراقي الذي يربط البشر جميعا وخاصة في العلاقة السامية بين الرجل والمرأة وهي علاقة الزواج أرقى وأسمى العلاقات الإنسانية ؛ فهذه المملكة التي تدور عليها أحداث هذه الفنتازيا والتي تحتلُ مكانةٍ مُتقدمة بين اكثر من مئةِ وثلاثين من الأعمال المتنوعة للكاتبة تجمعُ فيها بين الخيال والرومانسية والحب والمغامرة والرعب والأشباح والأرواح والسحر والشعوذة وغيرها ، مملكةٌ على ساحل مدينة عربية شرقية حيثُ تبدأ رواية " عشق مِن مملكة الريحان "
ا لـــروا يــة
على ساحل مدينة عربية شرقية تدور رواية " حِمدان عشق مِن مملكة الريحان " "
الصادرة قي عام 2018 م .
الكاتبة قدمت رواية ذات طابعٌ أدبي خاص بقدر ما تكاد تكون تعبيراً عن شخصيتها المُولعة بالمشاعر الدافقة التي تُعبر عن القيم العليا والسامية وأهمها الحب الراقي والصافي والمختلف عما نلهو بهِ ونردده في حياتنا اليومية ، فهي بنفس القدر - رواية - وإن كانت رومانسية في مُحتواها العام إلا انها في نسيجها وتوصيفها الأدبي عملٌ ذاخرٌ بِتقنياتٍ أدبية مُتنوعةٍ حيثُ إستطاعات توظيف أدواتِها ومهاراتِها المختلفة لتطرح علينا صورةً من صور الحبِ الرومانسي كما نهفو ونشتاقُ إليهِ وهي كتوصيف أدبي تندرج تحت مسمى الفنتازيا التي هي نوعا ادبيا يعتمد على السحر والخيال وغيره من الأشياء الخارقة للطبيعة كنعصر أساسي للحبكة الروائية ففيها تحرر كامل من قيود المنطق والشكل والإخبار ويعتمد كلياً على سراح الخيال .
حـمـد ا ن ... عشقٌ من مملكة الريحان
الغلاف كعتبةِ نصٍ يحملُ موسيقى إلإيقاع اللغوي في العنوان ذاتهِ ؛ كما يحمل دلالات عن البيئة التي تجري عليها الأحداث وهي مملكةٍ ساحلية تطل شواطئ الخليج العربي ؛ يتأكد ذلك من خلال الألوان وفارس يمتطي ظهر جواد ، فكلمات العنوان تمهد لشاعرية السرد الأدبي الذي تتميز به الرواية .
وأيضاً إهداء الرواية يُمهد لرومانسيتِها ..
( إلى القلوب النقية صافية الذهب
تلمع ناصعة وغالية الثمن قيمة ومعنى ككنوزٍ رجال العرب"
إلى الحب في الماضي، ورائحة الحب في الحاضر ، وأمل الحب في المستقل.. يا حب
إلى النساء والبنات العاشقات بحق، ولو بصمت ؛ ولو البوح هرب
إلى قلوب الرجال التي لازالت تنبض بالطهر والعمق، وكرم كعنقود وكأس العنب )
جُمان الريحاني
نتعرف على " حمد " شاب ثلاثيني العمر تُوفي والداه ، ورث عن أبيهِ
مزرعةٍ نالها الّجَدب بسب مرض والده قبل الوفاة وعاش مع عمه المريض بعد وفاة
والدهِ ، تعلم من عمه حب و تربية الخيول حتى أصبح خيالاً ومدربا للفروسية في
المدينة الساحلية ؛ عشق مع الجياد البحر والتمشي عليه وقت الغروب ، وقادته الصُدفة أن يلتقي ب " آن " فتاة جميلة
الوصف عرفتْ نفسِها له أن والدها فرنسي و
والدتها روسية متوفيان وانها تربت مع
عمتها وزوجها الإيطالي وأنهت دراستها الجامعية في الأدب الاسباني ونالت الماجستير
في اللغة العربية وجاءت لظروف العمل لهذا البلد العربي ، يتحابا ويتزوجا بشروطٍ تبدو غريبة منها أن
يجمعُ بينهما الحب الأبدي الذي لا يتغير
بمرور الزمن والعمر والشكل وإنه ارتباط
أزلي ليكون الموت هو الذي يُنهي حياتهما معا
. إتفقا على هذا وكان زواجاً ناجحاً
ومضت حياتهما سُعداء نجح حمد في إنتشال المزرعة من الدمار ، وأسعدهما الله ورزقهما بمولود أسمياهُ " حمدان " ليحمل
المقطعين من إسميهما " حمد & آن " .
نشأ وترعرع " حمدان " في حنان والديه كان مجتهدا في دراسته واتقن الإنجليزية ، والإيطالية ، والفرنسية والأسبانية مع لغتهِ الأم العربية والتحق بجامعة كمبريدج بلندن وحصل على ماجستير تخصص علوم سياسية ، ورجع لمدينته ليُستقبل إستقبال الفاتح بعد سنوات الغربة ، وليشهد رحيل والديه والتي تسلمه أمهُ قبل رحيلها وصية غريبة المحتوي منها أنها لم تكن إنسية بل أميرة من اميرات مملكة من ممالك البحار ، وانها إختارت أن تصبح إنسية الجسد والروح معاً لتتزوج حبيباً بشريا ، وساعدها في الهرب من المملكة كاهن المملكة وبين لها مخاطر هذا الإختيار من دمار وزوال لمملكتها ومكانتها كأميرة نتيجة غضب المملكة والممالك الاخري لتمردها ومخالفتها لسنن واحكام المملكة بعدم الإقتران ببشري ، وكان ما حدث من لقائها ب " حمد " وزواجها منه ، أيضا اوصته شفاهة ان لا يتزوج قبل أن يبلغ الأربعين ويفتح هذه الوصية المكتوبة التي شرحت فيها مَنْ تكون ، وأيضا تُخبره عن عروسهِ التي ترشحها له وهي إبنة خالتهِ حبيسة الصدفة التي هي مرهونة داخِلها بحبهِ لها و موافقتهِ علي الإقتران بها ، وتمضي أحداث الرواية بأحداث عديدة تسجل نجاح حمدان في عمله وإدراته الممتازة للمزرعة حتى تعيينه عمدةٍ للمدينة كشكر وتقدير لما أسداهُ للمدينة من تغيير وتطور جعلها مدينة سياحية كبرى يقصدها الزائرون من المدن والعواصم الأخرى .
مرت سنوات العمر ينتقلُ من نجاحٍ لنجاحٍ مشهودٌ له به في عمله ومكانته الرفيعة في المدينة ومحبة الناسِ لهِ ، حتى أنهم كانوا يستغربون تأخر زواجه ؛ وكل عائلة تنتظر أن تكون إحدى بناتِها عروسه المنتظرة ، حتى أعلن في إحتفالية له أن زواجه سيكون بعد عام ٍ حين يبلغ الأربعين من العمر وقتها ، كانت لحمدان فرسٌ يعشقها ويدللها كثيرا إسمها " حمدات " إرتبط بها إرتباطاً عاطفياً فأ ظهرت عليه إمارات كتابة الشعر ، فكان يتغزل فيها شعراً وأوصافها فَجرت فيه طاقة الإبداع والشعر والغزل ، وبمرور السنوات كَبُرت حمدات ومرضت فتضاعف حنوه عليها والإشراف على حالتها الصحية ومواعيد العلاج بل والسهر بجانبها وإطعامها والإستعانة بأمهر الأطباء لرعايتها وإسماعها شعرهِ فيها ؛ ومحادثته لها فقد كانت هي أهله وحبهِ وعالمهِ الأثير لكن الأقدار شاءت ان يسافر خارج البلاد اثناء مرضها فسافر وكان يتابع حالتها ، وحين عزم على العودة حالت الظروف الجوية وتوقف حركة الطيران فا إستعان للعودة بتأجير طائرة خاصة ، لكن للأسف سقطت الطائرة في البحر واُعتبر حمدان من المفقودين و بعد تكثيف حملات البحث ومحاولات العثور عليه ليلا أو صباحاً ، لكن ما حدث كان مفاجئة ، حيثُ " حمدات " الفرس المريضة فجأةٌ ثارت وهربت من حظيرتها راكضة بعنف لا تألوا على شيء كما لوكانت إستعادت شبابها وصحتها ، لتعود بهِ على ظهرها وسط دهشة أهل المدينة ما بين الفرح بنجاتهِ وعودة فرسهِ المريضة به من وسط أمواج البحر حيث سقطت به الطائرة وفشل بعد معاناة السباحة في البحر الهائج بأمواجهِ ومع الرعاية الصحية المكثفة تموت الفرسة " حمدات " ويشفى حمدان ويشعر بالحزن والآسى لموتها وتنتابهُ حالة إكتئاب شديدة وأثناءها تذكر الصندوق الذي بداخلهِ الوصية ، واقدم على فتحهِ ليطلع على سر غامض لا يعرفهُ حتى أباه ، و يمضي يبعثر الأوراق المرفقة التي تُطلعهُ على الغريب والعجيب من أحداث ومواقف ولكن كان الأعجب هو ما يتعلق بِترشيح امه لعروسهِ إبنة خالتهِ " جُمَيْنَة " وهي الحورية الوحيدة الناجية من حوريات المملكة الهالكة و تكمن في صَدفةٍ في إنتظاره ؛ وإنتظار بلوغهِ الأربعين من العمر ليتقدم لها خاطباً وزوجاً وفق شروط أمهِ لأبيه ، حب خالد ودائم ليربط بينهما حتى الممات ، فوجد في الصناديق رسائل كتبتها " جُمَيْنَة " علي مدار أعياد ميلاده السابقة :
وهذه رسالة كنموذج يقع تحت مسمى الريحانة – كما إختارت الكاتبة – وهي واحدة من ريحانات بلغت العشرون ريحانة ؛ تُمتعُنا الأديبة فيهن ليس بتوصيف علاقة المحبين لكن أيضا ببلاغة التعبير وصوره المتعددة ما بين التشبيه والكناية والإستعارة ... مع بساطة اللفظ وعبقريتهِ وتدفق موسيقاهُ والشاعرية الكامنة فيه :
الريحانة الأولى
اليوم أصبحت لك جسدا وروح
حبيبي
حمدان حبيبي..
اليوم وقد تركتني والدتي وخالتي حبيبتي الغالية آن..
تركتني وحيدةٌ في هذا الصندوق المظلم والكهف المخيف، اليوم وقد تركتني خالتي، وتَرَكَتْكَ، وَتَرَكَتْ كل هذا العالم ..
أُحِسُّ بأنني حقا أصبحت وحيدة ..
لا أمل لي بالحياة من دونك يا حمدان ..
اليوم أصبحت لك جسدا وروح
أنا لك.. أنا لك يا حمدان
يا مالك الروح
قلبي وروحي وسنوات عمري لك
بالأمس لك.. وغدا لك.. حتى تَمَزُّقِي و الجَرُوح
واليوم أُعْلِنُ أنني أصبحت لك بالجسد والروح
حبيبٌ قريبٌ بعيدٌ.. حقيقةٌ أَنْتَ أَمْ شَبَحْ
اليوم أصبحتُ لك.. فأصبحتَ لِي الأهل، الناس والفرح " .
*******
.. إتسقت عبقرية السرد الروائي مع فنتازيا تصور لنا وترقى بسمو الحب الذي يربط
المحبين لتصل بهما لدرجة العشق والذوبان الكامن الكامل وليس فقط التكامل ؛ علاقة
تبدأ معها الحياة الحقيقية وتنتهي بموت وفناء الأجساد فقط وليس قبلِها فلا فُرقة ،
ولا إغتراب ، ولا جفاء ولا خصام ولا تصارع ولا ذاتية مُقلقة ، بل إحترام وتقدير
للإختلاف و وقت الخلافات ، لذا لا نجد صراعاً بين الشخصيات ؛ فشخصيات الرواية سوية بلا عِللٍ نفسيةٍ أو
إجتماعية ، وأجواء ومسرح ومواقف الرواية أيضا نفسها خَلت من التأثيرات السلبية علي
الشخصيات بل ساعدت في البناء الدرامي وتطور الأحداث والعلاقات ، فكأننا امام مشاهد
شفيفة تجري أمامنا كا إستعراض للجمال والخير والنبلِ والتعاون والتضحية ..الخ .
الرواية تُقدم تقنيةٍ سردية مُختلفة فهي على قسمين ، القسم الأول سردٍ لِقصة حَبيبين ويُمهد لحبٍ جديد بين حبيبين يُكملا قصة الحب الأول ، والقسم الأخر من المجموعة عبارة عن رسائل تُبين وتشرح وتُعبر عن الحب الذي نشأ بين الحبيبين الجُدد قبل أن يلتقيا و كأن الجِينات "السوية " المتوارثهِ قادرة أن تُغير حياتنا إلى الأفضل لنُعزز بها الأمل في حياة وعلاقاتٍ إنسانية " سوية " جديدة ومستمرة .
الرواية عمل أدبي فانتازي إحتل مساحة شاغرة بين ما تطرحه الإصدارات الحديثة ولتبقى مملكة الريحان " مكانا " يتفق لدى العقل وجوده أو عدم وجوده ! .
ســيــد جــمــعــه
ناقد تشكيلي واديب
21 / 3 / 2024 م






تعليقات
إرسال تعليق