قراءة نقدية لمجموعة " قُدْ قَميصُك يا أبي "
الأدب لا يُداوي الجرح لكنه
يُبقي الذاكرة حيّة
في مجموعة " قُدْ قَميصُك يا أبي "
بعد الأحداث المريرة التي مرت بالعراق
وسقوط ديكتاتورية من الديكتاتوريات
العربية التي جثمت فوق بلدانٍ عربية بعد الخلاص من الإستعمار الغربي وإنهيار
الإمبراطورية العثمانية أتبعهُ حراك إجتماعي / ثقافي لإستعادة الهوية الخاصة بكل قطر
وذلك في مطلع القرن العشرين وتمثل ذلك في إرهاصات فكرية أقدم عليها نُخبة أوشخصيات متميزة في كل قطر عربي تمثلت فيهم
الريادة في كل المجالات العلمية والثقافية ثم أتبعها جيل تالي أسس بُنى تحتية أهمها
الجامعات بكليات متنوعة وتخصصات عديدة
لبناء هيكل للدولة الحديثة لتتخلص من
التبعية التي كادت تَطمس هوية كل قطر ، وظهرت الأحزاب بكل الصبغات الفكرية شرقية
وغربية ثم
أعقبها ثورات وإنقلابات عسكرية ألحقت ببعض
الأقطار أكثر مما ألحقته السيطرة العثمانية
أو الغربية .
ولعل أسوأ ما حدث هو ما تعرض له العراق بلد
الحضارة التاريخية مع تنوعه العرقي والمذهبي وهو الغزو الأمريكي الذي شرزم العراق
الموحد والمتعدد القوميات والمتعدد أيضا الثروات ، والمساهم دوما من خلال عُلمائه
و مبدعيه في إضافات ميزت المنطقة العربية فتربص له من يُدركون قدراته وأهميته فكان
ما كان بعد 2003 م .
هذه المقدمة الطويلة نسبية هي مُدخلنا لأحد
دعائم الهوية الثقافية العربية التي يقودها في الشرق العربي العراق ومصر وسوريا .
الكِتاب بصفةٍ عامةٍ وفي تنوع محتواهُ ؛ يُمثلُ الدلالة
الأولى والأهم لرقي أي دولة والتعبير عن تحضرها و وعيّ المواطن في هذه الدولة .
وفي العراق وبعد ما طالها من جحيم الحرب وما
صاحبهُ من تأثيرات عميقة نفسية وإجتماعية تتمثل في التأثير السلبي و إهتزاز القيم
الإنسانية والعقائدية .
وكاتبنا العراقي الكبير عبد السادة جبار هو
من النخبة التي حملت على عاتقِها رصد هذه التغيرات من خلال فئات طبقية وبيئية
مختلفة ومتنوعة
ولعل هَمهُ الشخصي والإبداعي يتبين من إصداراته المتنوعة فجميعها تعكس مدي
أرقهِ وألمهِ ومعاناتهِ وهو يتقصى بحرفية
بالغة المظاهر السلبية التي أتت بها عاصفة الصحراء و تَبِعاتِها من مُخلفاتِها الاجتماعية
والنفسية ؛ و يتجلى هذا في إصدارته المتنوعة :
الممجموعات القصصية : " ولادة في جدار " & " 33أيقونة عراقية "
والنصوص المسرحية : "كوابيس الأبيض
وبيان يقظتِه الأول ( نص مسرحي "
"
إعتصام الحمام " ( مونودراما مسرحية مُمَثلة ) .
" واِهيّة
50 نصاً مسرحياً " ( نصوص مسرحية ) .
يتجلي في هذه الإبداعات والمجموعات القصصية والمسرحية ؛
كما تتجلي في هذه المجموعة التي بين أيدينا كَمْ هو مهمومٌ يُعاني – كما الشعب العراقي – من مشاعر متعددة ما بين آلام التشرزم وجروح تمزق القيم والغُربة القسرية داخلية أوخارجية كما يهيمن عليه وعيٌ حادّ بالتاريخ القريب والحروب والمنافي. ذلك أن عبد السادة جبار ينتمي إلى جيلٍ تشكّل وعيه بين الحرب والاغتراب، فانعكس ذلك على شخصياته التي تعيش مأزق الهوية والانتماء، وقلق الأبوة، وضياع الجيل بين وطنٍ مهدَّم ومهجرٍ بارد .
المجموعة في مجملها تمثل سردية الألم العراقي بعد الحروب والاحتلال
والمنفى؛ فالأب المكسور، والابن التائه، والمثقف المهزوم، والمرأة التي تنعى الوطن
عبر فقد الأحبة
جميعهم وجوهٌ متكرّرة للذات
العراقية المعذّبة .
من الناحية البنائية، يزاوج الكاتب بين السرد الواقعي والمجاز الرمزي،
فيغدو المكان (البيت، الغرفة، الحديقة، المدرسة) مسرحًا للذاكرة والضمير، بينما
تظل النهاية في معظم القصص مفتوحة، لتؤكد أن الجرح لا يُغلق وأن الصراع مستمرّ بين
العنف والأمل .
كما يتبين لنا أن قُدراتهِ السردية التي يتميز بها يُجيد توظيفها بحنكةٍ ودراية لنقل الصور والشخصيات التي إلتقطها بوعي من واقع مُعايش لهِ ؛ إلي صورٍ ومشاهد وإسقاطاتٍ رمزية تحملُ دلالاتٍ فكرية وفنية و توثيقية عن ألم وجرحٌ فرديّ و جمعيّ أطبقَ على العراق لأسبابٍ متنوعة ومختلفة محصورة بين تأزم في القيادة الوطنية الرشيدة وبين مطامع سيطرةٌ قديمة من الشرقِ والغرب لا تستهدف وطنٍ مُعين بل تختصُ ببلادٍ لها إضافات للحضارة الإنسانية ( العراق ومصر ) .
أيضا تبرز قُدراتهِ الفنية في إستخدام ضمير
المتكلم أو الرواي مع لُغةٍ تعبيرية
مُفعمةٍ بالبساطة
تُحققُ الإختزالُ المكتمل لعناصر القصة
القصيرة فخلا من الإسهاب ونجح في تحديد معالم الشخصية والحدث المُكثف زماناً
ومكاناً والهادف إلي تشويقٍ وجذبٍ وشحذٍ للفكرِ والمتابعة .
أخيراً لمراعاة المساحة قد نجد فيما ذكرنا مُتحققاً في القصص التالية :
1 – مكتبة البندقية
2 – قُد قَميصكَ يا أبي
3 – محمكمةٌ بلا قاضٍ
4 – رائحةُ الكحك
5 – الحارس والكرة
أخيراً .....
مجموعة «قِدْ قميصَك يا أبي» مرثية سردية لبلدٍ يعيش في دوّامة الخسارات.
يجيد عبد السادة جبار تحويل التجربة الشخصية إلى نصّ إنسانيّ شامل، يجمع بين حرارة
الاعتراف وعمق الرؤية، ليؤكد أن الأدب لا يُداوي الجرح
لكنه يُبقي الذاكرة حيّة .






تعليقات
إرسال تعليق