من القلب إلى بلاد الذهب.. قراءة في ديوان «أنا إنسان عنواني بلاد الذهب» للشاعر طارق عبدون


  

من القلب إلى بلاد الذهب..

قراءة في ديوان «أنا إنسان عنواني بلاد الذهب» 

للشاعر طارق عبدون



طارق عبدون 

 



               حين بدأت قراءة ديوان الشاعر طارق عبدون، شعرت منذ الصفحات الأولى أنني أمام شاعر لا يريد أن يخفي قلبه وراء القصيدة، بل يتركه مكشوفًا أمام القارئ بكل ما فيه من حب واشتياق وقلق وذاكرة وحنين. وربما كان عنوان الديوان نفسه مفتاحًا مناسبًا للدخول إلى عالمه: «أنا إنسان عنواني بلاد الذهب»؛ فهو عنوان يجمع بين الإنسان بوصفه جوهر التجربة، و«بلاد الذهب» بوصفها مكانًا وذاكرة وهوية وانتماء

والديوان، في بنائه العام، يتحرك في دوائر تتسع تدريجيًا. يبدأ من الذات وعلاقتها بالحب، ثم يذهب إلى الفقد والذكريات، ومنها إلى الوطن والنوبة، ثم يفتح نافذته على الإنسان وقيم العدالة والسلام، قبل أن يصل في النهاية إلى أكتوبر والعبور. وهذه الرحلة من الخاص إلى العام هي، في رأيي، واحدة من أهم العلامات التي تستحق التوقف عندها؛ لأن الشاعر لا يغادر ذاته تمامًا حين يتحدث عن الوطن، وإنما يحمل ذاته معه، كما يحمل الوطن في داخله

في البدايات يبدو الحب هو المساحة الأكثر حضورًا. لكن الحب عند طارق عبدون ليس دائمًا حالة هادئة أو مكتملة؛ إنه في كثير من القصائد امتحان للروح، ومطاردة للغياب، ومحاولة للتمسك بشيء يكاد يفلت. يقول في إحدى قصائده :

«رغم توسلات المشيب أحبك»

ثم يعود الحب عنده ليصبح نوعًا من الاستمرار في مواجهة الزمن، وكأن الشاعر يريد أن يقول إن العمر يمكن أن يغيّر الملامح، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يغيّر ما استقر في القلب.

 

وأجد أن أجمل ما في هذه المنطقة من الديوان هو أن الشاعر لا يتعامل مع المرأة باعتبارها صورة خارجية فحسب، وإنما يحولها إلى حالة نفسية كاملة. ففي قصيدة «كوكب أشواق» مثلًا، تصبح العينان رسائل، ويصبح الوصال زادًا، ويبدو الحب كأنه عالم له كوكبه الخاص. وفي «في انتظارك أنا» يصل هذا التعلق إلى درجة تجعل المحب ينتظر نفسه في الآخر، فيقول :

«أنت عمري والمنى»

ثم يذهب أبعد من ذلك حين يجعل الخيال قبلة للحب، ويجعل الحزن نفسه شيئًا يمكن دفنه في سبيل الخلود

غير أنني توقفت أكثر عند اللحظة التي يبدأ فيها الحب بالانتقال من حالة الغرام إلى حالة الذاكرة. هنا يصبح القلب بالفعل «خزانة ذكريات»، كما جاء عنوان إحدى القصائد، ويصبح الماضي ليس مجرد زمن مضى، وإنما شيء يسكن الحاضر ويعيد تشكيله. وفي «رومانسيّة» نلمح هذه المفارقة بوضوح: لحظة أمل قصيرة سرعان ما تنقلب إلى اكتشاف للخديعة، فيغلق الشاعر باب قلبه من جديد

وهذا الباب المغلق لا يظل مغلقًا طوال الديوان؛ فالشاعر يعود في قصائد أخرى إلى الاعتذار والمراجعة واستعادة ما يمكن استعادته. ومن هنا تبدو قصائد مثل «اعتذار امرأة على المعاش» و«العذر والاعتذار» و«حبك للربيع» كأنها حلقات في تجربة واحدة، تتأرجح بين الرغبة في البقاء والخوف من ضياع ما مضى. وهذا التكرار ليس عيبًا في ذاته؛ لأنه يكشف إصرار التجربة الشعورية على العودة إلى نفسها، لكنه يحتاج أحيانًا إلى قدر أكبر من الاختزال حتى لا تتشابه بعض الانفعالات والصور.

 

ومع الانتقال إلى «أنا إنسان عنواني بلاد الذهب» يتغير صوت الشاعر بصورة لافتة. هنا لا يعود الحب الشخصي هو مركز القصيدة، وإنما يصبح الانتماء هو العاطفة الكبرى. ويبدو أن «أنا النوبي» ليست مجرد قصيدة عن الهوية، بل واحدة من المفاتيح الأساسية لفهم القسم النوبي من الديوان. فالشاعر يقول :

«أنا النوبي»

 

ثم يبني حول هذه العبارة تاريخًا وذاكرة وكرامة وانتماء. إنه لا يقدم النوبي باعتباره ابن مكان فقط، بل باعتباره حاملًا لذاكرة المكان

وهنا وجدت أن أجمل ما يفعله الشاعر هو استدعاء النوبة من خلال مفردات حية: النخيل، النيل، البيوت، الطين، الشمندورة، الأسرة، الجدة، الخبز، المائدة، والحنين. فالنوبة عنده ليست صورة سياحية، وإنما بيت داخلي يسكن الذاكرة

ولذلك فإن قصائد مثل «النوبة جنازة للضمير»، و«أنا شعبك»، و«النوبة السمراء»، و«ترنيمة العودة»، و«عروس النيل تنتظر»، و«ترنيمة الشمندورة»، و«تاريخ يبحر في الماء» تشكل معًا ما يشبه الملحمة الوجدانية للنوبة. والفهرس نفسه يكشف كثافة هذا الحضور، إذ تبدأ هذه المنطقة من القصيدة الحادية والثلاثين وتمتد عبر عدد كبير من النصوص المتتابعة

في «ترنيمة الشمندورة» تحديدًا، لا تصبح الشمندورة مجرد علامة مائية، وإنما تتحول إلى نقطة ضوء تقود الذاكرة. ويستحضر الشاعر أسماء وأصواتًا وأرواحًا مرتبطة بالتاريخ النوبي، فيتحول المكان إلى ذاكرة جماعية. وفي «تاريخ يبحر في الماء» يصبح النيل شاهدًا على التهجير والفقد؛ فالماء هنا ليس مجرد عنصر طبيعي، وإنما حامل لما غرق من البيوت والذكريات

أما «حنين فوق موج أبيض» فهي من القصائد التي وجدتها شديدة الدلالة على ازدواج المكان في وجدان الشاعر. فالإسكندرية حاضرة بكل جمال البحر والميناء، لكن القلب معلق في أقصى الوادي. يقول :

«لكن القلب معلق في أقصى الوادي»

ثم يستدعي النيل والنخيل وصوت الجدة، وكأن البحر الواسع لا يستطيع أن يغطي المسافة بين الشاعر وطفولته

وهذه واحدة من أجمل صور الديوان في رأيي: أن يكون الإنسان في مكان، بينما يسكن مكان آخر داخله

ومن هنا أيضًا تأتي قصيدة «بركة الدار الأولى»، التي أراها من أكثر نصوص الديوان قدرة على استحضار التفاصيل الصغيرة. فالأم لا تأتي في صورة مجردة، بل في فرن الخبز، والملابس الجديدة، ودفء البيت، والابتسامة التي تطرد الخوف. وهنا تتحول الذاكرة من فكرة إلى رائحة وملمس ومشهد. ويصبح استدعاء الأم استدعاءً لزمن كامل، لا لشخص واحد

ثم يتسع الديوان مرة أخرى. فالإنسان النوبي في تجربة طارق عبدون لا ينفصل عن الإنسان في معناه الأشمل. وفي «أغنية للإنسان» يتخلى الخطاب عن خصوصية المكان ليذهب إلى فكرة المساواة والحرية والعدل. يقول الشاعر :

«من العدل يولد طعم الحياة»

ويصل إلى رؤية واضحة تجعل الحب وسيلة لبناء الجسور، وتجعل الحرية والعدالة شرطًا للحياة

وهنا أرى أن الديوان يكشف عن مسار مهم: الشاعر الذي بدأ بالبحث عن الآخر في الحب، انتهى بالبحث عن الإنسان في العالم. وهذا الانتقال يمنح التجربة اتساعًا لا توفره قصائد الغزل وحدها

وفي «أصداء من طمي النيل» يعود الشاعر إلى النوبة، لكن بصورة مختلفة؛ فالموضوع هذه المرة ليس الأرض فقط، وإنما منظومة القيم التي يرى أنها تشكل الشخصية النوبية: الأخوة، الشهامة، الكرم، الأسرة، الوفاء. يقول :

"وفي البيوت المبتسمة "

ثم يرسم الأسرة حول صينية الحناء والشاي، ويجعل الأم دفء الليل النوبي، والأب نخيلًا يحرس الدار

وهذه التفاصيل تحديدًا تمنح القصيدة صدقها؛ لأن الشاعر حين يتحدث عن الهوية لا يلجأ فقط إلى الشعارات الكبرى، بل يستعيد أشياء بسيطة يعرفها من عاشها أو حملها في ذاكرته

أما قصيدة «نهر النور وسكينة الروح» فتبدو لي أقرب إلى خلاصة أخلاقية للتجربة؛ فالكرم عند الشاعر ليس مالًا يُعطى، وإنما طاقة داخلية، وطمأنينة، وقدرة على احتواء الآخر. وهنا تتراجع صورة العاشق لمصلحة صورة الإنسان الذي يريد أن يترك أثرًا طيبًا في الحياة

 

ثم تأتي «صيحة المجد والعبور» لتفتح بابًا آخر تمامًا. فالشاعر الذي ظل طوال الديوان مشغولًا بالذاكرة والهوية والحب، يصل في النهاية إلى السادس من أكتوبر، إلى الماء الذي يتحول إلى جسر، وإلى العبور الذي يتحول إلى استعادة للكرامة. وهنا تصبح القصيدة ذات نبرة ملحمية واضحة، وتنتقل من الذات إلى الوطن بصورة مباشرة. وتختم هذه الرحلة بفكرة أن العبور لم يكن مجرد معركة، وإنما " ولادة أخرى للزمن"

ملاحظات تقييمية

أعتقد أن أهم ما يميز تجربة طارق عبدون في هذا الديوان هو الصدق الشعوري. فهو لا يكتب عن الحب أو النوبة أو الوطن من موقع المتفرج، وإنما يكتب من داخل التجربة. وهذا ما يجعل بعض الصور، خصوصًا المرتبطة بالطفولة والأم والبيت والنيل، قادرة على الوصول إلى القارئ بسهولة

ويحسب له كذلك التنوع في البناء الشعري؛ فالديوان لا يسير على نغمة واحدة، وإنما ينتقل بين القصيدة الموزونة ذات الإيقاع والقافية، والنصوص الأكثر تحررًا في البناء، وهو تنوع يتيح للشاعر أن يختار الشكل الذي يناسب الحالة الشعورية. كما أن حضور النوبة ليس هامشيًا، بل يشكل أحد الأعمدة الأساسية للديوان، إلى جانب الحب والإنسان والوطن. وفهرس الديوان نفسه يؤكد هذا الاتساع؛ إذ يضم خمسين نصًا تتدرج موضوعاتها من " ما أصعب حبك "  إلى " صيحة المجد والعبور" .

وفي المقابل، أرى أن الديوان كان يمكن أن يستفيد من مزيد من التشذيب؛ فبعض القصائد العاطفية تعود إلى مفردات وصور متقاربة: الشوق، القلب، العينان، الحنين، الفراق، الدموع، النار، الأسر، وغيرها. وتكرار هذه المفردات لا يفسد التجربة، لكنه يجعل بعض النصوص تقترب من بعضها أكثر مما ينبغي

كما أن بعض القصائد، خصوصًا حين تنتقل إلى المجال الوطني أو القيمي، تميل أحيانًا إلى التقرير والخطابة المباشرة، بينما يكون الشاعر أكثر قوة حين يترك الصورة تقوم بالمهمة بدلًا من أن يشرح الفكرة. وأجد أن طارق عبدون حين يقول صورة صغيرة مثل البيت النوبي أو فرن الخبز أو النخلة أو صوت الجدة، يكون أكثر تأثيرًا من اللحظات التي يرفع فيها نبرة الخطاب .

 

ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تلغي القيمة الأساسية للديوان، بل ربما تكشف عن شاعر لديه مادة شعرية غنية تحتاج فقط إلى مزيد من الانتقاء والتكثيف. فالموهبة الحقيقية هنا ليست في القدرة على الكتابة وحدها، وإنما في امتلاك ذاكرة خاصة يستطيع الشاعر أن يحولها إلى ذاكرة يشارك فيها القارئ .

وفي النهاية، خرجت من الديوان بانطباع أن طارق عبدون يكتب وهو يحمل في داخله أكثر من صوت: صوت العاشق، وصوت الابن، وصوت النوبي، وصوت المواطن، وصوت الإنسان. وهذه الأصوات قد تتجاور أحيانًا، وقد تتداخل، لكنها في النهاية تصب في نهر واحد هو نهر الانتماء .

ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله عن هذه التجربة أن الشاعر بدأ يسأل عن الحب، ثم أخذ يسأل عن الذاكرة، ثم عن الأرض، ثم عن الإنسان، حتى انتهى إلى الوطن. ولذلك فإن عنوان الديوان لا يبدو عنوانًا لقصيدة واحدة بقدر ما يبدو تعريفًا بصاحب الديوان نفسه:  " أنا إنسان.. عنواني بلاد الذهب "

وأحسب أن «بلاد الذهب» هنا ليست النوبة وحدها، وإنما كل ما يحتفظ الإنسان به من حب وطفولة وبيت وذاكرة وكرامة؛ وهي الأشياء التي لا يستطيع الزمن، مهما طال، أن ينتزعها من القلب .

 



ســيــد  جــمــعــه

ناقد تشكيلي وأديب 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تستعيد الكتلة روحها قراءة نقدية في تجربة النحات أ د. عادل بدر

بين الحكاية والرمز ... مقاربة إنطباعية في عوالم رواية " تلبيس إدريس إدريس " لــ محمود فتحي

بين واقعية المشهد ونبض التعبير قراءة في لوحات الفنانة وردة